منذ بضعة أيام تداول رواد السوشيال ميديا بالتطبيقات المختلفة فيديو تم تصويره داخل أحد المدارس حيث وقف طالب مارق باسطاً ذراعيه ليغلق باب الفصل بقوة، مستعرضاً عضلاته ومحاصراً معلماً شاباً في مقتبل العمر، مانعاً إياه من الخروج وسط حالة من التطاول الفج، بينما يقف تلميذ آخر مشهراً هاتفاً محمولاً ليوثق هذا المشهد بعدسته لاهثاً وراء تفاعل رقمي رخيص؛ وهو ما أثار حالة عارمة من الجدل والغضب بين الأهالي ورواد السوشيال ميديا.
ومنذ ساعات أكد موقع "صدى البلد الإخباري" الحقيقة الدامغة حول الواقعة المتداولة؛ لتأتي الصدمة التالية المخيبة للآمال بأن ما جرى (حسب تصريحات منقولة عن مصدر مسؤول بمديرية التربية والتعليم بالقليوبية) لم يكن احتجازاً عدائياً بل كان مجرد "مزحة" سمحت بها طبيعة العلاقة الطيبة بين التلميذ وأستاذه، حيث ساهمت تلك العلاقة في حدوث الموقف بشكل عفوي!
تضمنت تصريحات المصدر المسؤول تفاصيل أخرى حاسمة تضع النقاط على الحروف؛ إذ أكد أن هذه الحادثة تعود تفاصيلها إلى الفصل الدراسي الأول من العام الدراسي، وأضاف بأن إدارة المدرسة تدخلت فور وقوع الموقف واحتوت الأزمة سريعاً داخل جدرانها، وتم إنهاء الأمر بشكل ودي تماماً دون تحرير أي محاضر رسمية، وأن المعلم لم يتقدم بأي شكاوى ضد الطالب بعد الواقعة.
واختتم المصدر تصريحاته بالتشديد على أن مديرية التعليم وجهت فوراً بمتابعة الانضباط داخل المدارس باستمرار، مؤكداً أن أي تجاوزات تظهر يتم التعامل معها وفق اللوائح والقوانين؛ وهو ما يثبت أن إعادة نشر الفيديو مؤخراً أعطت انطباعاً خاطئاً كلياً بأنه حدث جديد.
وبغض النظر عن حداثة أو قدم الحادثة، وتبريرها تحت لافتة "الهزار" وتلك "العلاقة الطيبة" التي تزيد الموقف قبحاً وتدنياً، فهناك عدة تساؤلات تطرح نفسها بشأن ذلك الحدث؛ السؤال الأول: هل يجب أن تكون الرابطة التربوية مبنية على هذا النمط من الاستخفاف، والندية، وعدم الاحترام داخل أو خارج أسوار المدرسة للدرجة التي تصل لتوثيق ونشر هذا التهريج عبر منصات اجتماعية عامة؟ إن ما يُسمى رسمياً أو عفوياً بـ "الطيبة" ليس في حقيقته إلا استهانة وتنكيل غير مقبول على الإطلاق يضرب هيبة القدوة التعليمية في مقتل. والسؤال الأهم: ماذا كان رد فعل المنظومة التعليمية حينها لضمان عدم تكرار هذا المنزلق العابث؟ وبلا شك فإن التجاوز المذكور يعيدنا خطوة إلى الوراء صوب البيئة الحاضنة والمؤسسة لكل تقويم وهي: المنزل، ويفتح الباب على مصراعيه للتساؤل الصادم: كيف وصلنا إلى الحد الأقصى من الانفلات؟ وما الذي أصاب "المكابح النفسية" والأخلاقية لدى أبنائنا بعدما تحول الإرث الأخلاقي إلى ساحة للمزاح الثقيل والتطاول المستساغ؟
ولكي نفك شفرة هذا التردي القيمي والانسياق وراء الإثارة الرقمية، تبرز دراسة استقصائية موسعة نُشرت في أكتوبر من عام 2024، وتحديداً في دورية "علم النفس التربوي" (Journal of Educational Psychology) الصادرة عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA). وفي هذه الورقة البحثية الرائدة، قدمت البروفيسورة ألكسندرا بيل (Dr. Alexandra Bell)، أستاذة علم النفس السلوكي والنمو المعرفي، بالتعاون مع فريقها البارز، تحليلاً عميقاً حول تطور المنظومة الأخلاقية وضبط الامتثال لدى الناشئة والمراهقين.
لقد ألقت الدراسة الضوء على آلية دماغية ونفسية أصيلة تعد الركيزة الأساسية لاستقامة أي مسلك بشري، وأطلقت عليها مصطلحاً علمياً دقيقاً هو: "الكف السلوكي" أو "التحكم المثبط" (Inhibitory Control). وتوضح البروفيسورة "بيل" في بحثها المرجعي أن هذا المفهوم يعد واحداً من أهم الوظائف التنفيذية بالدماغ البشرية، والتي تشرف عليها القشرة الجبهية الأمامية؛ وببساطة شديدة، تمثل "المكابح" الوجدانية والعقلية الكامنة في الذات الإنسانية. وتلك القوة الحيوية تعد القدرة الصامتة التي تمكن المراهق من تحقيق توازنه عبر ثلاثة أبعاد رئيسية؛ يأتي في مقدمتها ما عرّفته بمقاومة "الاندفاع والمغريات اللحظية"، ونعني بها القوة التي تتدخل فوراً لتمنعه إذا ما شعر برغبة طائشة في السخرية، أو الخروج عن حدود اللياقة بدعوى المزاح؛ إجلالاً للمكان، واحتراماً للقدوة.
أما البعد الثاني فيتجلى في "تأجيل الإشباع الفوري"، وهي القدرة على مقاومة الإغراءات الوقتية، مثل السعي المحموم لركوب موجة المنصات أو حصد التفاعل العابر من خلال توثيق التجاوزات، في مقابل الحفاظ على مبادئ إنسانية عليا وثابتة لا تقبل البيع والمزايدة. بينما يرتكز البعد الثالث على "التحكم في ردود الأفعال"؛ تلك الآلية التي تمنح الناشئ القدرة على التوقف، وفحص عواقب تصرفاته وتأثيراتها النفسية والآدمية قبل الإقدام عليها، بدلاً من الانسياق الأعمى وراء رغبات القطيع الرقمي الذي أصابه الجمود العاطفي.
وهنا تضعنا البروفيسورة "بيل" أمام الحقيقة العارية؛ فآلية "الكف" لا تولد مع الإنسان مكتملة، بل هي أشبه بعَضلة بيولوجية تحتاج إلى تدريب مستمر وشاق لتنمو وتصلب. وهنا تحديداً يبرز الدور المدمر للتعرض العشوائي والمبكر للشاشات؛ إذ إن الغرق في عالم الفضاء الرقمي يمنح الأطفال والمراهقين دفقات متتالية وسريعة من هرمون "الدوبامين" مع كل ضغطة زر أو "إعجاب" عابر. هذا الإشباع اللحظي يعمل كالمخدر الذي يصيب القشرة الجبهية الأمامية بالخمول، مما يؤدي بمرور الوقت إلى ضمور تلك الخاصية الطبيعية، فيتحول المراهق من كائن عاقل يزن ممارساته بميزان القيم، إلى منساق وراء الإثارة؛ حيث لا يرى أبعد من شاشته الزجاجية، ولا يدرك الفارق الفاصل بين الهزل والجد، وبين الابتذال والاحترام.
وأمام هذا الخلل المعرفي، نعود مجدداً إلى النواة الأولى للأسرة. إن تفكيك الآلية الرادعة لدى الأبناء لم يحدث بين عشية وضحاها، بل هو نتاج انسحاب تدريجي وصامت للوالدين من عملية "التنشئة القوية" إلى مربع "الرعاية السطحية". وذلك بعدما تحولت بيوت كثيرة من محاضن تربوية تغرس الفضائل وتشرف على تقويم السلوك، إلى ما يشبه "الفنادق" أو مساحات "المساكنة الاجتماعية" حيث ينعزل كل فرد بهاتفه في عالمه الخاص؛ غاب الحوار، واختفى النموذج والقدوة، واستُبدلت الرقابة الأبوية الواعية بحالة من "التدليل الرخو" أو "التجاهل المريح"، مما ترك الأبناء بلا بوصلة تحميهم من طغيان التيار الافتراضي الذي شرعن كل سمج من الأفعال تحت مسمى "الهزار والضحك".
إن قرار احتواء الأزمات العابرة داخل جدران المدرسة يعالج المظهر الخارجي والوقتي للمشكلة، لكن استئصال الجذور يتطلب انتفاضة حقيقية تبدأ من الأسرة أولاً، متبوعة بتكامل حتمي مع المؤسسة التعليمية. إذ أصبحنا في حاجة ماسة إلى إعادة الاعتبار لسلطة البيت التربوية عبر استعادة لغة الحوار الحقيقي، وسحب الهواتف في أوقات محددة، ومراقبة المحتوى الرقمي للأبناء دون تهاون، توازياً مع إحياء مادة التربية الأخلاقية عملياً في المدارس؛ لكيلا تظل مجرد نصوص تُحفظ بل سلوك وممارسات يومية تُعلي من شأن المعلم، وإعادة صياغة الخطوط الحمراء السلوكية، وتقيس انضباط الطالب الإنساني والرقمي على حد سواء. فحماية عقول أبنائنا من الجمود العاطفي لم تعد ترفاً فكرياً، بل هي معركة وجودية لإنقاذ إنسانيتهم قبل أن تبتلعها تريندات الزيف.