هناك جانب مهم في حياة أم المؤمنين خديجة لايلمسه أغلب المؤرخين وهو رضاها وصبرها بما قسم الله لها
لقد مات في حياتها ابنيها القاسم وعبدالله، وهما طفلان، فصبرت واحتسبت،ولم تذكر السيرة اعتراضها أو تأففها بقضاء الله جل جلاله،مع أنها رزقت بالذكور بعد سن الأربعين وهو سن كبيرنسبيا لدى النساء وتكون عاطفة الأمومة فيه أقوى من أي وقت مضى
وودعت ابنتها رقية وزوجها عثمان بن عفان وهى تهاجر إلى الحبشة.
وقبلها فسخ خطبتها الأولى ثم هجرتها
و عاشت ثبات زوجها صلى الله عليه وسلم على الحق وعدم التنازل ولو أعطوه الشمس والقمر
لقد كانت رضي الله عنها ، ومعها أبو طالب جناحا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يحلق بهما في فضاء الدعوة داعيا قريشاللدخول في دين الإسلام.
ولم تصبر قريش على هذه الدعوة الوليدة طويلا فضربت بكل قوة في سبيل خنقها والقضاء عليها.
فكان إيذاء المستضعفين وكان التضييق على المسلمين في أقواتهم وأرزاقهم ثم انتهى الأمر بالحصار والمقاطعة في الشعب ثلاث سنوات.
وفي هذه الأزمة الطاحنة كانت أم المؤمنين جبلا شامخا صامدا مع زوجها ابتغاء رضا الله سبحانه.
كانت رضي الله عنها تكابد الجوع والفقر والظمأ، وهى الغنية الشريفة، حتى تهاوى الحصار.
ولعظيم صنعها وكريم خصالها، بشرها الله عزوجل بالجنة، فقد أتى جبريل إلى النبى، وقال: «يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه طعام، فإذا هى أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومنى، وبشرها ببيت فى الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب».
لقد كانت خديجة هى جيشه الوحيد وسيفه القاطع في كل أزمةوجائحة ، ولما ماتت سمي هذا العام بعام الحزن ، لقد كانت الشمعة التي تنير له ليالي الأسى والعذاب من صناديد مكة.
ومن في النساء كخديجة في أنواع التفانى والتضحية للحبيب، عاشت أيامه حلوها ومرها، قال عنها النبى الكريم: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون».
ولقد كافأها صلى الله عليه وسلم فلم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها ويبعثها، فى صدائق (صاحبات) خديجة، قالت له يوما: كأنه لم يكن فى الدنيا إلا خديجة.. وعلى الفور رد النبى المتيم: «إنها كانت وكانت، وكان لى منها ولد».
يسوق ابن هشام فى (سيرته) أنه عقب غزوة بدر أراد المشركون أن يفتدوا أسراهم، وكان منهم العاص بن الربيع زوج السيدة زينب ابنة الرسول، برغم أن الإسلام فرق بينهما، فأرادت (زينب) أن تفتدى زوجها، لعل الله يشرح صدره للإسلام. وبعثت فى فدائه بمالٍ ووضعت فيه (قلادة) السيدة خديجة، فلما وقعت عينا النبى على قلادةابنته رق بشدة وبكى ، وقال لأصحابه: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها مالها فافعلوا، فقالوا نعم يارسول الله، ففعلوا».
لقد كانت تلك القلادة هي قلادة حبيبته الأولى خديجة رضي الله عنها التي وهبته كل ماتملك ، نفسها وجهدها ومالها وبيتها، وتركت له كل شيء، ولم تمتن عليه بشىء، فصارت رضى الله عنها وأرضاها قدوة مثلى لنساء العالمين.
فى السنة الثامنة من الهجرة، دخل صلى الله عليه وسلم، مكة، وحينما جن الليل لم يبت فى منزل أحد أصحابه، ولكنه ضرب خيمته إلى جوار قبر زوجته الحبيبة خديجة، ، ولسان حال النبى الكريم يلهج شاكرا: صدقت يا خديجة عندما قلت: «لن يخزيك الله أبدا».. رضي الله عن أم المؤمنين وأرضاها.