قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب : وجه الرقمنة الإدارية الجديد

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

لم يعد الانتقال نحو "التحول الرقمي" في أروقة الحكومة المصرية مجرد استجابة تقنية لمتغيرات العصر، بل أضحى إعادة صياغة جوهرية لمفهوم "الإنتاجية"، وتفكيكاً للصورة النمطية التي تربط كفاءة الموظف العام بالحضور الفيزيائي خلف المكاتب. ويأتي القرار الأخير بتطبيق آلية العمل عن بُعد كل يوم "أحد" كاختبار حقيقي لمرونة الدولة في إدارة مواردها البشرية، وتدشيناً لمرحلة تتجاوز فيها المؤسسات حواجز الجغرافيا؛ بحثاً عن استدامة الأداء في فضاءات تكنولوجية تمنح الكادر الوظيفي مساحة من الحرية المسؤولة، وتكفل للجهاز الإداري فرصة لترشيد الإنفاق اللوجستي وتقليص الأعباء التشغيلية.

ومما لا شك فيه أن العوائد الاقتصادية لهذا التوجه تتخطى لغة الأرقام المباشرة لتلامس عمق الاستدامة المؤسسية، محولةً الدولة من "كيان عقاري ثقيل" يستهلك طاقته في صيانة الجدران وسداد الفواتير الباهظة، إلى "منصة ذكية رشيقة". وتتجلى أهمية هذا التحول بوضوح عند النظر إلى فاتورة الطاقة؛ إذ يمثل توفيرها ضرورة حتمية في ظل ضبابية المشهد العالمي وتصاعد نذر الأزمات، ولاسيما التوترات المتفاقمة بين واشنطن وطهران وتداعياتها المقلقة على سلاسل الإمداد. إن ادخار استهلاك يوم كامل في آلاف المقار ليس مجرد إجراء محلي، بل هو درع استباقي لمواجهة تقلبات الأسعار الدولية، وضمان تأمين الاحتياجات الحيوية في ظل مناخ مضطرب.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية "المتابعة الرقمية" كعامل جوهري يفرض على الهيئات تطوير أنظمة لقياس الكفاءة المبنية على "النتائج" لا على "ساعات المكوث"؛ وهو ما يعني عملياً عصرنة "الدورة المستندية" بوصفها الرحلة التنظيمية التي تقطعها المعاملة حتى اكتمالها، لتتحول عن مسار ورقي مجهد محفوف بالانتظار، إلى تدفق إلكتروني لحظي يقتل الهدر الزمني ويحاصر البيروقراطية في أضيق زواياها، محققاً وفراً مالياً يسمح بإعادة توجيه الإنفاق العام نحو الاستثمار في "عصب العصر"؛ ونعني به البنية التحتية التكنولوجية والخوادم المؤمنة.

​وعلى الضفة الأخرى من هذا التغير، يبرز التشريح الدقيق للمسؤولية الملقاة على عاتق الموظف؛ إذ يغدو العمل من المنزل اختباراً للأمانة المهنية والقدرة على الانضباط الذاتي في بيئة تفتقر إلى الإشراف المباشر. إن نجاح هذه التجربة مرهون بقدرة الموظفين على تقديم الخدمات بذات الدقة، حفاظاً على جسور الثقة مع المتعاملين، وفي الوقت ذاته، يمنح هذا اليوم فرصة ذهبية لاستعادة التوازن النفسي عبر نيل قسط من التقارب الأسري المستحق. بيد أن التحدي الحقيقي يكمن في مهارة الفصل الواعي بين الواجب العام والالتزام الخاص، لضمان ألا تطغى تفاصيل الحياة اليومية على هيبة المهنة؛ فنحن نتجنب تحويل "المنحة" إلى "محنة" إذا ما اختل ميزان الإنجاز.

​بالنظر إلى التجارب الدولية الرائدة، نجد أن النموذج المصري ليس ببدع من الأمر؛ إذ سبقتنا في تنفيذه دولٌ مثل إستونيا وفنلندا، التي أرست دعائم هذا المسار بنجاح قبل سنوات، منطلقة من رؤية تعتبر الفضاء السحابي هو "المكتب الحقيقي" للمواطن. ففي فنلندا مثلاً، ساهم قانون العمل المرن في خلق انسجام فريد بين الحكومة والمجتمع، إذ استوعب الجميع أن نجاح المنظومة يعتمد على تكامل الأدوار؛ فالدولة تضمن المنصات المؤمنة، والموظف يلتزم بنسق التنفيذ، مما أدى إلى رفع معدلات الرضا الوظيفي دون المساس بجودة الخدمة العامة. لقد أثبتت تلك النماذج أن الانتماء للمؤسسة لا يُقاس بالبقاء داخل أسوارها فقط، بل بقدرة الأطراف كافة على إنجاح هذا العقد الاجتماعي الجديد الذي يقدس النتيجة ويحترم الإنسانية.

​وفي النهاية، أرى بأن هذه الخطوة المصرية ليست مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل هي دعوة لإعادة هندسة الوعي الوظيفي، وتأكيد على أن الثقة المتبادلة بين الجهاز الإداري والمواطن هي الوقود الحقيقي لمحركات التنمية بعد استبدال محروقات التشغيل التقليدية بـ "السيليكون"؛ حيث لا قيمة للحيز المكاني إذا ما حضرت الأمانة، ولا سطوة للروتين إذا ما انتصرت لغة الإنجاز.