قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. محمود جلال يكتب: براءات الاختراع ... العملة الصعبة في سباق "رؤية مصر 2030"

د. محمود جلال
د. محمود جلال

في قلب التحولات العالمية الكبرى، تبرز "براءات الاختراع" ليس فقط كشهادات توثيق للأفكار، بل كأصول استراتيجية تعزز مكانة الدول في ميزان القوى الاقتصادية المعاصرة. وإذا كانت الدولة المصرية قد وضعت "الابتكار والبحث العلمي" في خطتها الاستراتيجية "رؤية مصر 2030" كأحد الممكنات الجوهرية للوصول إلى اقتصاد متنوع وتنافسي، فإن هذا الطموح يتطلب منا قراءة تحليلية واعية للأرقام، بهدف تعظيم الاستفادة من ملكيتنا الفكرية؛ فبراءات الاختراع هي الجسر الذي يعبر بالعقل المصري نحو "القيمة المضافة" التي تدعم الاقتصاد الوطني وتدفع عجلة التنمية.

وعندما نتأمل البيانات الإحصائية الخاصة بالملكية الفكرية في مصر، نجد أمامنا فرصة كبيرة للاستثمار في تعزيز المخرجات الابتكارية. فالمؤشرات ترصد تحولاً في عدد طلبات براءات الاختراع المودعة من المصريين من 1027 طلباً في عام 2019 إلى 528 طلباً في عام 2025. وهذا الرقم، رغم ما يحمله من تحديات، يفتح الباب أمام أهمية "تيسير" رحلة المبتكر المصري؛ إذ إن تقديم المزيد من الحوافز الإجرائية والمالية سيشجع أصحاب الأفكار على توثيق اختراعاتهم رسمياً بعد رحلة طويلة من البحث والتطوير، مما يسهم في زيادة حصة مصر من الإجمالي العالمي لطلبات البراءات، والتي بلغت 0.05% في عام 2024، وهي نسبة نأمل جميعاً في مضاعفتها لتواكب وتيرة النمو العالمي المتسارعة.

وفي سياق متصل، نجد أن الشركات الأجنبية تستفيد من السوق المصري بفاعلية، حيث وصلت حصتها من إجمالي طلبات براءات الاختراع المودعة إلى 71% في عام 2025، بعد أن كانت 53% في عام 2019. وهذا التواجد الأجنبي القوي هو مؤشر ملموس على حيوية السوق المصري وجاذبيته، لكنه في الوقت ذاته يمثل حافزاً لنا لتعزيز "الريادة الوطنية" وزيادة إسهامات المبتكر المصري في منظومة براءات الاختراع.

كما نجد أن تم منح 26 براءة اختراع لمصريين في عام 2025، بعد أن وصلنا لمنح 175 براءة اختراع لمصريين في عام 2019. إن هذا الواقع يضعنا أمام ضرورة العمل أيضا على رفع حصة مصر من إجمالي المنح العالمي (التي بلغت 0.01% في عام 2024)، لضمان توازن استراتيجي يحقق سيادتنا التكنولوجية ويدعم مركز مصر في مؤشر الابتكار العالمي؛ حيث نحتل حالياً المركز 86 عالمياً، والعاشر عربياً والسادس أفريقياً، وهو ترتيب نمتلك كل المقومات للارتقاء به إلى مراكز متقدمة تليق بحجم الاستثمارات المصرية في التعليم والبحث العلمي، وصولاً إلى مستهدفات "رؤية مصر 2030" بالحلول في المرتبة 70 عالمياً.

إن خارطة الطريق نحو تعزيز براءات الاختراع تبدأ من مواصلة "تطوير المنظومة الإجرائية" لتكون أكثر سرعة ومرونة، ومواكبةً للتحولات الرقمية التي تتبناها الدولة، مع التركيز على انتقاء الابتكارات ذات الجدوى الاقتصادية العالية وتقديم الدعم الفني والمادي الكافي الذي يسهل تسجيلها دولياً، لتنطلق الاختراعات المصرية إلى الساحة العالمية وهي محمية وقادرة على المنافسة.

وفي هذا الصدد، يمكننا استلهام أفضل الممارسات العالمية لتعزيز دور القطاع الحكومي والخاص في دعم المبتكرين؛ حيث نجد تجارب رائدة مثل تجربة الهند التي ألزمت الشركات المربحة بالمساهمة بنسبة 2% من أرباحها لتمويل صناديق الابتكار والمشاريع البحثية بالجامعات. وكذلك تجربة البرازيل التي اعتمدت سياسات الحوافز الضريبية، وتفعيل دور "المشتريات الحكومية" لدعم منتجات الشركات الوطنية المبتكرة في قطاعات حيوية، مما يخلق سوقاً مستداماً يحفز المبدعين على الاستمرار.

إن المستقبل الذي تنشده مصر في ظل "الجمهورية الجديدة" هو مستقبل "الاقتصاد القائم على المعرفة"، الذي لا يكتفي بالإنتاج بل يسعى لامتلاك "الحق الفكري" فيما ينتج. فالعالم اليوم يقدر الدول بقدرتها على الإبداع وحماية العقول، ومن يمتلك "براءة الاختراع" اليوم، هو من يضع لبنات الريادة والازدهار في الغد.