رغم مرور عدة أشهر على هذا اللقاء الثري في برنامج "باب الخلق" للإعلامي الشهير محمود سعد، والذي وقعت عيني عليه مؤخراً بالصدفة، إلا أن أثره الطيب لا يبرح الوجدان. فاللقاء لم يكن مجرد استعادةٍ لذكريات "أذكى طفل في العالم" بل كشفاً عن رحلة نضجٍ استثنائية لم تلوثها أضواء الشهرة، بطلها المهندس والباحث المرموق محمود وائل.
الحكاية بدأت من همس الأرقام؛ طفلٌ في الثالثة يفكك طلاسم "جدول الضرب" بينما كان والده يذاكر لأخته الكبرى. لم يمر الأمر مرور الكرام على الأب، الطبيب الخلوق د. وائل، الذي أدرك بحدسه أن بين يديه "أمانةً" سماوية لا مجرد وليدٍ نابغ. وكما لمستُ شخصياً عندما التقيته أثناء مرحلة صبا نجله بمحيط عملي، وكان ذلك لبضعة أيام دار بيننا خلالها حديث شيق، تأملتُ سر البركة لديه، فإذا هو يكمن في "التواضع"؛ تلك القيمة التي سقاها لولده، فجعلت من ذكائه البِكر وسيلةً للبناء لا منصةً للاستعلاء.
ولم يكن لقاء "باب الخلق" مجرد سردٍ لبطولات الماضي، بل تشريحاً لنفسٍ بشرية بقيت نقية خلف جدران المختبرات. في كل إجابة لمحمود، كان المشاهد يلمح طيف الأب يبتسم؛ فبينما يسأل "سعد" عن إغراءات الغرب، يجيب محمود بلغةٍ "وطنيةِ النبض"؛ مؤكداً أن العقل الذي تشكل في رحم مصر، لا يجد مستقره إلا في حل مشكلاتها. لقد جاءت كلماته كـ "رتقٍ" لليأس الذي قد يتسلل للشباب، وترياقاً يثبت أن العبقرية تكمن في الاجتهاد قبل معدل الذكاء، وأن البطولة ليست في الهروب، بل في المواجهة وتطويع الصعب ليصبح في قبضة اليد.
وعندما تطرق الحديث إلى كواليس الطفولة، لم نرَ عقلاً جافاً يقتاتُ على الأرقام المُجرّدة، بل تجلى أمامنا شابٌ استعاد تفاصيل عمره بفطنةٍ حاضرة؛ صبيٌّ لم تحرمه المسائل الحسابية من دهشة اللعب، ولم تسرق منه النظريات براءة السؤال. لقد استخلص محمود سر تميزه في عبارةٍ واحدة غير مباشرة: "الذكاء هو ألا تفقد إنسانيتك في زحام المعلومات"؛ لذا رفض أن يُسجن في قالب الآلة الصماء، مصراً على أن يكون باحثاً يرى في علمه رسالةً لخدمةِ الخلق، وجسراً يَعبرُ عليه الضعفاءُ نحو حياةٍ أكثر يسراً وأقل وجعاً.
عشرون عاماً مرت، ولم ينطفئ الوهج. رأينا في اللقاء شاباً يطوع مَلَكاته العلمية لتكون واقعاً ملموساً يخدم قضايا وطنه، وكأنه يطبق "دستوراً" وضعه له العالم الراحل "أحمد زويل" حين التقاه طفلاً؛ فقد كانت وصية زويل له ووالده نصاً: (أن يحافظ على هذه الموهبة وألا يتركها تنطفئ في غمرة الأضواء، وأن العلم الحقيقي هو ما ينفع الناس على الأرض). واليوم، نرى محمود باحثاً مصراً على أن يظل ذكاؤه "مصري الهوى"، محولاً معارفه إلى حلولٍ نافعة تؤكد أن العقل المصري متى وُجدت له البيئة والتقدير، صار نبعاً لا ينضب من الحلول المبتكرة. لقد تجسدت وصية زويل في مسيرة محمود؛ فالعقل الذي ناطح معامل ذكاء (155 درجة) لم يغتر ببريق الألقاب، بل اختار الغوص في جوهر العطاء، مؤمناً بأن "جائزة نوبل" ليست غاية في حد ذاتها، بل اعترافٌ بقدرة الإنسان على صناعة الفارق.
إن قصة محمود وائل ووالده تخبرنا أن التميّز وحده لا يصنع مستقبلاً، وأن العبقرية الحقيقية ليست مجرد منحةٍ ربانية، بل هي "عقدُ أمانة" يتطلب سعياً دؤوباً واجتهاداً لا يعرف السكون. فليكن نبلُ محمود وتفانيه هو "البوصلة" التي تسترشد بها عقول شبابنا الطامح، لتدرك أن ذروة العلم هي أن يكون خادماً أميناً لآمال البشر؛ فبمثل هذه الروح تُبنى الأوطان، وبنفسٍ زانتها القيم، وعقلٌ نذرهُ صاحبهُ للمنفعة، يظل أثر محمود ووالده باقياً كبركةٍ تنبت في الأرض نفعاً، وفي القلوب إلهاماً.