قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. جمال القليوبي يكتب : النفط في صراع البترودولار والبتروبريكس .. من ينتصر!!

د. جمال القليوبي
د. جمال القليوبي

النفط مازال إكسير الحياة في العالم ، رغم التحولات الكبرى التي يشهدها العالم في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الحديثة، إلا انه السلعة الأكثر تأثيرًا في حركة الاقتصاد العالمي، ليس فقط باعتباره مصدرًا رئيسيًا للطاقة، بل لأنه يمثل أداة استراتيجية تتحكم في موازين القوى بين الدول، وترسم خرائط النفوذ السياسي والاقتصادي على مستوى العالم. فبينما تتشابه السلع في كونها تُباع وتُشترى وفقًا لقوانين العرض والطلب، يختلف النفط جذريًا عن سائر السلع، لأنه سلعة تمسك بخيوط الصناعة، وتحرك عجلة التجارة، وتتحكم في حركة النقل علي كوكب الأرض وتحدد وتقييم قوة اقتصاد دولة عن دولة اخري.

ومنذ الوهلة الأولى التي اكتشف فيها النفط تجاريًا، أي اكتشاف خزانات ضخمة ذات احتياطيات هائلة قادرة على إنتاج كميات يومية تسمح بالتصدير إلى الخارج، بدأت خريطة العالم الاقتصادية تتغير بصورة غير مسبوقة. فقد برزت دول تمتلك ثروات باطنية ضخمة، واستطاعت أن تتحول من كيانات محدودة التأثير إلى لاعبين أساسيين في الاقتصاد الدولي. ومع ازدياد عدد الدول المنتجة تجاريًا، والتي تجاوزت لاحقًا ستة عشر دولة رئيسية، ظهرت الحاجة إلى إطار مؤسسي ينظم الإنتاج ويحدد سياسات التسعير من أ لمعروض عالميا، فجاء ت فكرة منظمه الدول المصدرة للنفط (أوبك ) لتكون نقطة تحول كبرى في إدارة سوق الطاقة العالمي.

لقد بدأت أوبك كتجمع بسيط يهدف إلى تنسيق السياسات النفطية للدول الأعضاء التي يزيد فائض إنتاجها لأكثر من مليون برميل ، سرعان ما تغيرت من تجارة النفط  إلى قوة اقتصادية عالمية قادرة على التأثير المباشر في الاقتصاد الدولي عبر التحكم في مستويات الإنتاج. وبمرور الوقت، أدركت هذه الدول أن النفط ليس مجرد مصدر دخل فقط ، بل أداة نفوذ سياسي واستراتيجي واقتصادي بل وسيادي ايضاً، وظلت امريكا بنظام الوصايه علي الاوبك من خلال احتكارها لتكنولوجيا الاستكشاف والحفر والإنتاج والنقل فكل تلك الدورة التي تنتج النفط تعمل بعمله الدولار . ومن هنا جاء القرار الاوبك باستخدام الدولار الأمريكي كعملة رئيسية لتسعير وبيع النفط، وهو ما أرسى مفهوم “البترودولار”، الذي منح الولايات المتحدة امتيازًا استثنائيًا، إذ أصبح الطلب العالمي على النفط مرتبطًا تلقائيًا بالطلب على الدولار.

هذا الارتباط منح واشنطن قوة هائلة، إذ جعل الدولار العملة الاحتياطية الأولى عالميًا، ورسخ مكانة الاقتصاد الأمريكي. كما مكّن الولايات المتحدة من فرض نوع من الوصاية غير المباشرة على الدول المنتجة، خصوصًا مع اعتمادها على استيراد نسبة كبيرة من إنتاج النفط الخليجي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. وبذلك تحولت العلاقة بين النفط والدولار إلى شراكة استراتيجية شكلت لعقود العمود الفقري للنظام المالي العالمي.

غير أن قوة البترودولار لم تتوقف عند حدود الهيمنة النقدية، بل انعكست على الداخل الأمريكي نفسه، حيث استفادت الولايات المتحدة من الفوائض المالية والاستثمارات المرتبطة بالدولار في تمويل طفرتها التكنولوجية في قطاع الطاقة. ففي عهد  اوباما ، شهدت الولايات المتحدة ثورة النفط الصخري، بفضل تقنيات التكسير الهيدروليكي التي أتاحت استخراج النفط والغاز من الصخور ذات النفاذية المنخفضة. ونجحت شركات أمريكية عديدة في رفع الإنتاج إلى مستويات قياسية، حتى تحولت أمريكا من مستورد رئيسي للطاقة إلى أحد أكبر المنتجين عالميًا.

هذه الطفرة عززت من السطوة الأمريكية، ورسخت استخدام الدولار كسلاح اقتصادي وسياسي. ومن هنا يرى كثيرون أن الولايات المتحدة استخدمت تفوقها المالي والاقتصادي للتأثير في خريطة العالم السياسية، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو التدخلات السياسية والعسكرية أو فرض سياسات تجارية حمائية، كما ظهر في توجهات الرئيس دونالد ترامب، الذي انتهج سياسة الرسوم الجمركية والضغوط الاقتصادية ضد قوى صاعدة مثل الصين، فضلًا عن تبني مواقف أحادية تجاه ملفات دولية حساسة.

هذه الممارسات دفعت العديد من القوى الدولية إلى البحث عن بديل يحد من هيمنة الدولار ويؤسس لنظام اقتصادي أكثر توازنًا. ومن هنا برز تكتل بريكس باعتباره محاولة جادة لإعادة تشكيل النظام المالي العالمي. فقد بدأ التكتل بعضوية كل من الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، ثم توسع ليضم دولًا مؤثرة مثل مصر والسعودية وإيران وإندونيسيا ودولًا أخرى، في خطوة تعكس رغبة متزايدة لدى دول الجنوب العالمي في بناء منظومة اقتصادية مستقلة.

وتسعى دول بريكس إلى تحقيق هذا الهدف عبر عدة أدوات، منها إنشاء مؤسسات مالية بديلة على غرار البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى توسيع استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، وتقليل الاعتماد على الدولار. وفي قلب هذا التوجه يبرز مشروع “البتروبريكس”، وهو تصور يقوم على استخدام سلة من العملات أو آلية مالية جديدة لتسعير وبيع النفط بعيدًا عن الدولار.

ويمثل هذا التوجه تحديًا مباشرًا للبترودولار، لأنه إذا نجحت الدول المنتجة الكبرى في اعتماد آليات تسعير بديلة، فإن الطلب العالمي على الدولار قد يتراجع تدريجيًا، بما ينعكس على مكانة العملة الأمريكية وعلى قدرة واشنطن على استخدام النظام المالي كسلاح جيوسياسي.

ومع ذلك، فإن الطريق أمام البتروبريكس ليس سهلًا. فالدولار لا يزال يتمتع ببنية مؤسسية قوية، وسوق مالية عميقة، وثقة عالمية تراكمت عبر عقود. كما أن نجاح أي بديل يتطلب تنسيقًا عاليًا بين دول تختلف في مصالحها الاقتصادية والسياسية.

في المقابل، يمتلك البريكس عناصر قوة متنامية، أبرزها الثقل السكاني، واتساع الأسواق، وامتلاك جزء معتبر من الاحتياطيات النفطية والموارد الطبيعية. وإذا تمكن هذا التكتل من بناء منظومة نقدية مستقرة وفعالة، فقد يشهد العالم تحولًا تاريخيًا في موازين القوة الاقتصادية.

وهنا يبقى السؤال من ينتصر بعد ما آلت اليه الظروف والحالة العالمية التي لا ترضي عنها أي دوله في العالم  ، و الإجابة ليست حاسمة بعد فالبترودولار لا يزال قويًا، لكنه يواجه تحديات متصاعدة، فيما يبدو البتروبريكس مشروعًا واعدًا لكنه يحتاج إلى وقت وترسيخ مؤسساتي. وربما لا يكون المستقبل انتصارًا كاملاً لطرف على آخر، بل نشوء نظام عالمي متعدد الأقطاب، تتقاسم فيه العملات الكبرى النفوذ، ويصبح النفط مرة أخرى العامل الحاسم في رسم خرائط الاقتصاد والسياسة الدولية. وفي هذا الصراع، سيظل النفط ليس مجرد سلعة، بل عنوانًا لمعركة النفوذ الكبرى وحرب العملات القادمة …. وإلى تكملة قادمة