نحن اليوم على مشارف قمة مناخية جديدة كوب 31 لعام 2026 والتي سوف تعقد بدولة تركيا وهي القمة الحادية والثلاثون لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للمناخ ومع اقتراب موعد انعقاد كل قمة مناخية جديدة يتجدد النقاش والسؤال حول مدى جدوى هذه اللقاءات الدولية، وحول مدى قدراتها على إحداث تغيير ملموس في مسار الازمات البيئية فهل يمكن أن تمثل هذه المؤتمرات والقمم نقاط تحول حقيقة أم أنها ستظل مجرد منصات لطرح تعهدات بيئية دون أي إلزام فعلي؟
فالبيئة العالمية في الوقت الراهن في واحدة من أكثر مراحلها حرجاً وتعقيداً، حيث تتقاطع التحديات البيئية مع الازمات السياسية والاقتصادية التي يمر بها العالم مٌشكلة واقعاً بيئياً مقلقاً، وكأن القضايا البيئية في نفق مظلم لم يكتشف نهاية له بعد أو أن هناك من يريد الزج بها فأولوياته السياسة ومكاسبه الاقتصادية أولى منها.
ولا يمكن هنا فصل التدهور البيئي عن السياق السياسي العالمي. فالصراعات المسلحة، سواء كانت إقليمية أو دولية، تترك آثارًا بيئية مدمرة من تلوث المياه والتربة، إلى تدمير البنية التحتية البيئية، وصولًا إلى استنزاف الموارد الطبيعية.
كما أن هذه الصراعات تعيق التعاون الدولي، وتؤدي إلى تحويل الموارد المالية من الاستثمار في البيئة إلى الإنفاق العسكري، فكيف يمكن تحقيق تقدم بيئي في عالم منشغل بالحروب والنزاعات؟ وهل يمكن أن تكون البيئة ضحية دائمة للصراعات السياسية؟
فمنذ انطلاق أولى القمم البيئية العالمية، مثل قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992، والعالم يسعى لوضع إطار دولي للتعامل مع التحديات البيئية. وقد تبلورت هذه الجهود في اتفاقيات دولية مثل اتفاقية باريس للمناخ، التي هدفت إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية، ورغم هذه الجهود، يظل التساؤل قائمًا: لماذا لا تتحقق الأهداف المعلنة؟ الإجابة تكمن في طبيعة هذه الاتفاقيات، التي تعتمد في معظمها على التزامات طوعية من الدول، دون وجود آليات صارمة للمحاسبة. فالدول تحدد بنفسها أهدافها البيئية، وتلتزم بها وفقًا لأولوياتها الوطنية، وهو ما يؤدي إلى تفاوت كبير في مستوى الالتزام والتنفيذ.
واليوم نشهد تحدي آخر يضعف من الالتزامات الدولية وهو انسحاب بعض القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وهي ثاني أكبر مصدر لانبعاثات الغازات الدفيئة في العالم من بعض الاتفاقيات البيئية مما شكل صدمة للنظام الدولي وبات عاملًا حاسمًا في نجاح أو فشل الجهود البيئية الدولية مما يعنى معه عدم التزامها بالنسب المحددة لتقليل الانبعاثات بل دعي الرئيس ترامب للتوسع في البحث والاستثمار في مشروعات الوقود الأحفوري وتراجع الاستثمار في مشاريع الطاقة النظيفة وخلق فراغاً تمويلياً كبير في دعم جهود البحث العلمي في مجالات المناخ والبيئة وفي التمويلات المخصصة للدول النامية لمواجهة ظروف تغير المناخ وفتح الباب أمام تساؤلات حول هل يمكن أن يشجع هذا الانسحاب دولًا أخرى على التراجع؟ نعم بالفعل، هناك مخاوف من أن يؤدي غياب القيادة الدولية إلى تراجع الزخم السياسي، خاصة وأن الولايات المتحدة تُعد من أكبر الدول المسببة للانبعاثات الكربونية. وفي حال غياب التزامها، قد ترى دول أخرى أن الالتزام ليس ضروريًا أو ذا جدوى اقتصادية، طالما ليس هناك ما يشكل التزام دولي لها أو وجود أي عواقب تتبع الانسحاب.
فغياب الإلزام القانوني يعد من أهم التحديات التي تواجه الجهود البيئية الدولية فمعظم القرارات الصادرة عن المؤتمرات البيئية لا تحمل طابعًا إلزاميًا، بل تعتمد على النوايا الحسنة للدول والالتزام الأخلاقي منها بتنفيذ تعهداتها تجاه البيئة.
وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، من مؤتمرات غير ملزمة وتعهدات غير مُنفذة، فإن بالنظر للمستقبل البيئي أنه سوف يواجه سيناريوهات مقلقة. من أبرزها:
تفاقم التغير المناخي: ارتفاع درجات الحرارة بشكل يتجاوز الحدود الآمنة، مما يؤدي إلى ذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحار.
تدهور النظم البيئية: فقدان التنوع البيولوجي، وانقراض العديد من الأنواع.
أزمات الموارد: نقص في المياه العذبة، وتراجع الإنتاج الزراعي.
الهجرة البيئية: نزوح ملايين الأشخاص بسبب الكوارث المناخية.
تصاعد النزاعات: زيادة التوترات الدولية بسبب التنافس على الموارد
فهل نحن مستعدون لمواجهة هذه التحديات؟ أم أننا سنستمر في تأجيل الحلول حتى تصبح الأزمة خارج نطاق السيطرة؟
ومن الأسئلة الهامة والتي لابد من إيجاد أجابه عاجلة وصريحة لها متى وكيف سنحل معادلة تضارب المصالح السياسية والاقتصادية حال وجود التزام دولي ملزم؟
فالدول النامية، على سبيل المثال، ترى أن الالتزامات الصارمة قد تعيق نموها الاقتصادي، بينما تسعى الدول المتقدمة إلى فرض معايير بيئية أعلى.
كل هذا يتطلب المحاولة لإيجاد توافقاً دولياً واسعاً حول ما تأتي به المؤتمرات البيئية من التزامات بيئية ومالية للإصلاح وتطبيق لسياسات بديلة تساعد البيئة على التعافي مما يمثل فرصة مهمة، لكنها لن تكون كافية ما لم تتحول إلى أدوات تنفيذية ملزمة.
ورغم التحديات، لا تزال هناك فرص حقيقية لتحقيق تحول إيجابي. من أبرز هذه الفرص:
التحول إلى الطاقة المتجددة: الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح يمكن أن يقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري.
التكنولوجيا الخضراء: تطوير حلول مبتكرة للحد من التلوث وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
التشريعات الوطنية: يمكن للدول أن تفرض قوانين بيئية صارمة على المستوى المحلي، حتى في غياب الإلزام الدولي.
تفعيل دور المجتمع المدني: في زيادة الوعي البيئي، والضغط على الحكومات لاتخاذ إجراءات فعالة.
وأخيراً يبقى المستقبل مفتوحًا على احتمالات متعددة، يتوقف تحديدها على ما إذا كان العالم مستعدًا للانتقال من مرحلة الأقوال إلى مرحلة الأفعال. فهل ستكون المؤتمرات القادمة نقطة تحول حقيقية، أم مجرد حلقة جديدة في سلسلة من الوعود غير المنفذة؟