زمان كان لكل بيت باب، ولكل إنسان مساحة خاصة يحتمي فيها من عيون الناس وكلامهم. كانت المشاكل تظل داخل الجدران، والاحزان تعالج بهدوء، والفرحة تكتمل وسط المقربين فقط. اما اليوم، وفي عصر السوشيال ميديا، تغير كل شيء. اصبحت الخصوصية شيئا نادرا، وكأن حياة الناس تحولت الى شاشة مفتوحة للجميع، يتابعها القريب والغريب، ويحكم عليها كل من يملك هاتفا وحسابا على مواقع التواصل.
اصبحنا نعيش في زمن يسبق فيه التصوير السؤال، ويسبق فيه النشر مراعاة المشاعر. حادث في الشارع يتحول الى فيديو، انسان يبكي يصبح مادة للسخرية، مشكلة عائلية تنتشر في دقائق، وفضيحة او خطأ شخصي يتحول الى ترند يتداوله الالاف دون اي تفكير في اثر ذلك على صاحب القصة او اسرته.
المؤلم اكثر ان البعض لم يعد يكتفي بالمشاهدة فقط، بل يشارك في نشر الاذى وكأنه يقوم بعمل عادي. يرسل الفيديوهات، يعيد نشر الصور، يكتب التعليقات الساخرة، ويضحك على اوجاع الناس وكأن المشاعر اصبحت بلا قيمة. كل هذا من اجل لايك او مشاركة او زيادة عدد المشاهدات. وكأن الانسانية تراجعت امام رغبة الظهور والترند.
الخصوصية ليست رفاهية كما يعتقد البعض، بل هي حق اساسي لكل انسان. من حق اي شخص ان يحزن بعيدا عن الكاميرات، ومن حقه ان يخطئ دون ان يتحول خطؤه الى مادة يتسلى بها الجميع. هناك اشخاص تعرضوا لانهيار نفسي بسبب فيديو انتشر لهم، وهناك اسر تفككت بسبب تدخل الناس في حياتها، وهناك شباب فقدوا الثقة في انفسهم بسبب التنمر والسخرية العلنية على مواقع التواصل.
الاذى النفسي لا يظهر دائما في صورة دموع او كلمات. احيانا يختبئ داخل الصمت، داخل الخوف من مواجهة الناس، داخل القلق المستمر من نظرات المجتمع واحكامه. وبعض الجروح التي تسببها السوشيال ميديا لا تعالج بسهولة، لانها تظل محفوظة على الشاشات حتى بعد مرور الوقت.
الاخطر من ذلك اننا اصبحنا نتعامل مع المصائب وكأنها محتوى للترفيه. حادث مؤلم يتحول الى مادة للنقاش، وخلاف شخصي يصبح ترندا، وانهيار انسان يصبح فرصة لجمع التفاعلات. نسينا ان وراء كل صورة انسانا يشعر ويتألم وربما يعيش اسوأ ايام حياته.
ليس كل ما نراه يجب ان ننشره، وليس كل ما نعرفه يحق لنا الحديث عنه. الاحترام الحقيقي يظهر عندما نحافظ على ستر الناس لا عندما نكشفهم امام الجميع. فكم من كلمة جرحت، وكم من صورة دمرت حياة، وكم من مشاركة كانت سببا في اذى لا ينسى.
ربما نحتاج اليوم الى ان نتذكر شيئا بسيطا جدا.. قبل ان تضغط زر النشر، فكر للحظة: هل ترضى ان يحدث معك ما تفعله مع غيرك؟ وهل يستحق الترند ان نخسر؟ الموضوع خاص جدا.
بلال قنديل يكتب: خاص جدا