من خلال الغوص العميق في أدبيات التنظيمات المتطرفة وتتبع بصمتها الرقمية اليوم وتحليل مقولاتها المركزية، من البنا والمودودي وسيد قطب، مروراً بـ عبد الله عزام وبن لادن والبغدادي والزرقاوي وغيرهم، وحتى مجرمي اليوم وعلى رأسهم القيادي الإرهابي الهارب يحيى موسى، نجد أن هناك منطلق رئيسي يُستخدم كمدخل أول لتبرير العنف وتكفير المجتمعات وإسقاط الدول، ألا وهو مفهوم "الحاكمية".
يُطرح هذا المصطلح للشباب والعوام في غلاف ديني براق، فيظن الشاب النقي أنه يدافع عن دين الله، بينما هو في الحقيقة يخدم مشروعاً سياسياً دموياً. ومن هنا تأتي ضرورة مواجهة هذا الاختطاف الممنهج لعقول الشباب، استناداً إلى الفهم الشرعي الصحيح الذي أجمع عليه أئمة الفقه وكبار الصحابة، عبر تفكيك هذا المنطلق بالأدلة الشرعية الثابتة، وبقواعد المذاهب الأربعة.
تأسيساً على ما سبق، يأتي هذا التحليل إيماناً بأن المعركة الحقيقية ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة "وعي" تبدأ بتفكيك هذه الألغام الفكرية التي زُرعت في عقول البعض بعناية. عبر قراءة تحول آية قرآنية من دعوة للعدل إلى صك تكفير جماعي، ورد علماء الأمة الراسخون على هذا التوظيف.
فخ "الحاكمية":
تدور قضية "الحاكمية" عند هذه التنظيمات حول آيات محددة، وتحديداً قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:44].
فقد قام منظرو التطرف وعلى رأسهم أبو الأعلى المودودي، ذلك العالم الهندي الذي تعتبر أفكاره مرجعاً فكرياً هاماً للعديد من الحركات الإسلامية المتطرفة، والقائمة على انتزاع هذه الآية من سياقها القرآني وتاريخ نزولها، وإسقاطها على الأنظمة السياسية الحديثة والدساتير المعاصرة، ليخرج بنتيجة كارثية، بأن كل من لا يحكم بالشريعة – وفق فهمهم الضيق – فهو كافر خارج عن الملة، ومجتمعه مجتمع جاهلي.
أدى هذا الخلط المنهجي الجوهري إلى تحويل مسألة سياسية إدارية تخضع للاجتهاد البشري، لأصل من أصول العقيدة في منظور كل من يتبع هذه التنظيمات المتطرفة.
إعادة بناء:
لكي نفهم الآية فهماً صحيحاً، يجب أن نعود إلى أسباب النزول الموثقة، حيث ان هذه الآيات نزلت في أهل الكتاب (اليهود) الذين تعمدوا تحريف أحكام التوراة وبدلوها بأهوائهم.
وأكد هذا المعنى كبار الأئمة كالإمام عطاء بن أبي رباح والإمام الضحاك بن مزاحم والإمام الحسن البصري، وهو ما رجحه الإمام الطبري أيضاً في تفسيره جامع البيان، الذي يُعد مرجعاً أساسياً لفهم سياق وتفسير هذه الآيات عند أهل السنة والجماعة بدقة، فقد نقل فيه أقوال السلف، خاصة ابن عباس رضي الله عنهما، التي تفصل في نوع الكفر المذكور.
فقد حذر الصحابي الجليل عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) من هذا الفهم السطحي للآية وقال مقولته الذهبية التي تُدرس في مساند المذاهب الأربعة إنه "ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة، ولكنه كفرٌ دون كفر".
اتفق علماء السنة المعتبرون على ما أوضحه الإمام ابن كثير في تفسيره نقلاً عن ابن عباس وعلي بن أبي طلحة، أن الكفر في الآية ينصرف لمن جحد ما أنزل الله أي (أنكره).
بالتالي، إذا حكم الحاكم أو القاضي بغير الشريعة لهوى في نفسه، أو لجهل، أو لظرف سياسي، ولكنه في قلبه يُقر بأن حكم الله هو الحق، فهذا يُعد "معصية" أو كبيرة من الكبائر، لكنه لا يخرجه من الإسلام أبداً.
أي أن التكفير الأكبر – الخروج عن الملة – لا يقع إلا بشرط الجحود والاستحلال؛ حيث ينكر الفاعل بقلبه ولسانه أن حكم الله صالح، فيستحل المخالفة عقيدةً.
الفقه وإدارة الدولة الحديثة:
يتجاهل المتطرف طبيعة الفقه الإسلامي؛ فهو يتعامل مع النصوص بعقلية ظاهرية جامدة، فالشريعة الإسلامية العظيمة فرقت بين مستويين من الأحكام:
(1)القطعيات (الثوابت): كتحريم القتل والربا والزنا، وهذه لا تتغير بتغير الزمان.
(2) الظنيات (المتغيرات): المساحة الأكبر في الشريعة، وتتعلق بالسياسة والاقتصاد وتنظيم الإدارة، وهذه تقبل الاجتهاد والتطوير المستمر.
هنا يأتي دور القاعدة الفقهية العظيمة المعتمدة في المذاهب الأربعة (وخاصة عند المالكية والحنابلة) وهي "المصالح المرسلة" والسياسة الشرعية.
لقد عرف الإمام الغزالي المصلحة المرسلة بأنها "ما لم يشهد الشرع لاعتباره ولا لإلغائه بدليل معين، ولكن يشهد الشرع لجنسه من باب التصرف في الحياة بما يحقق العدل ودرء المفاسد".
ووفقاً لما سبق، فإن إنشاء الدساتير، وقوانين المرور، وتنظيم المؤسسات الحكومية الحديثة، وسن القوانين الاقتصادية والإدارية، ليس كفراً ولا حكماً بغير ما أنزل الله، بل انه من صميم "السياسة الشرعية" التي أمر بها الإسلام لتحقيق مصالح الناس المتبدلة.
تكفير باطل:
تتخذ التنظيمات المتطرفة من شيخ الإسلام ابن تيمية واجهة لتبرير أفعالها، ولكن بالعودة إلى نصوصه الصريحة في فتاواه، نجده من أشد المحذرين من التكفير، إذ أنه يقول: "التكفير من أعظم الحدود التي حدها الله، فمن كفر مسلماً بلا بينة ولا برهان، فقد ظلم وعدا واعتدى على حدود الله". ويؤكد أن الإنسان قد يخطئ متأولاً ولا يُكفر لوجود الشبهة.
وكذلك الإمام النووي أرسى القاعدة بقوله إن: "الحكم بالكفر لا يجوز إلا حيث ورد الشرع بصريح النص لا بالاحتمال والتأويل".
أما في باب القواعد الفقهية الكبرى، فالقاعدة الأولى تنص على أن: "اليقين لا يزول بالشك". لذلك، فإن إسلام المسلم ثابت بيقين، ولا يمكن إخراجه من الدين بمجرد شكوك وتأويلات سياسية.
وختاماً، يمكن القول إن المنظومة التكفيرية التي تُبنى على مصطلح "الحاكمية" ليست سوى محاولة لانتزاع نصوص القرآن الكريم من سياقاتها المقاصدية العظيمة، لتحويل الدين من رسالة هداية ورحمة وعدل، إلى أداة صراع وحروب إبادة.
فلم يأتي الإسلام لكي يدمر الدول، بل جاء ليرسخ العدل ويحفظ مقاصد الشريعة الخمسة (الدين - النفس - العقل - النسل - المال). وأي فكر يدعو إلى استباحة الدماء بحجة تطبيق الشريعة هو فكر يخالف الشريعة نفسها، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
لنحصن عقولنا وعقول أبنائنا بالفهم الأصيل، ولا نترك كتاب الله أداة في أيدي من لا يفقهون مقاصده، وخاصةً في عالمنا الرقمي اليوم، حيث تنتشر الأفكار كالنار في الهشيم.