سجلت غانا أول تراجع في معدل التضخم السنوي منذ شهر مارس، في إشارة إلى انحسار الضغوط السعرية التي واجهها الاقتصاد خلال الأشهر الماضية.
وأظهرت بيانات صادرة عن دائرة الإحصاء، أن معدل التضخم الاستهلاكي انخفض إلى 4.6% على أساس سنوي خلال يوليو، مقارنة مع 5.3% في يونيو، ليسجل أول انخفاض شهري في أربعة أشهر.
وأرجع رئيس جهاز الإحصاء الحكومي، ألحسن إدريسو، تراجع التضخم في المقام الأول إلى تباطؤ وتيرة ارتفاع أسعار الغذاء، موضحا أن أكثر من 86% من التضخم في غانا يرتبط بسلع وخدمات تنتج محليا، ما يجعل تكاليف الطاقة والنقل داخل البلاد العامل الأكثر تأثيرا في مسار الأسعار مقارنة بالعوامل الخارجية أو السلع المستوردة.
وأشار إدريسو إلى أن التحسن في معدلات التضخم أصبح أكثر وضوحا عند المقارنة السنوية، إذ انخفض المعدل إلى 4.6% في يوليو من العام الجاري، مقابل 12.1% في الشهر نفسه من العام الماضي، ما يعني أن وتيرة ارتفاع الأسعار تراجعت إلى أقل من النصف خلال عام واحد، في إشارة إلى استمرار تعافي الاقتصاد واستقرار الضغوط التضخمية.
ويعكس هذا التراجع تحسنا في وتيرة نمو الأسعار، ما قد يمنح صناع السياسة النقدية في غانا مساحة أكبر لتقييم مسار التضخم واتخاذ قراراتهم المقبلة بشأن أسعار الفائدة في ظل استمرار مراقبة تطورات الاقتصاد المحلي والعالمي
ومثّل كبح التضخم الاختبار الأصعب للبنك المركزي الغاني منذ أن دخلت البلاد في أواخر عام 2022 أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود، دفعتها إلى تعليق سداد معظم ديونها الخارجية والحصول على برنامج إنقاذ بقيمة 3 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، في مسعى لاستعادة الاستقرار المالي والاقتصادي.
بلغ معدل التضخم في غانا ذروته عند مستويات تجاوزت 50% خلال الأزمة، قبل أن يبدأ في التراجع تدريجيًا على مدار العامين الماضيين، بدعم من تشديد السياسة النقدية، وإعادة هيكلة الديون، وتحسن استقرار سعر صرف العملة المحلية (السيدي). لذلك، تكتسب كل قراءة جديدة للتضخم أهمية خاصة باعتبارها مؤشرا على مدى نجاح جهود الحكومة والبنك المركزي في ترسيخ التعافي الاقتصادي.
ويأتي هذا التطور في سياق تعاف اقتصادي أوسع تشهده غانا، الدولة المُنتجة للذهب والنفط والكاكاو، والتي تعتمد على عائدات هذه السلع الأساسية الثلاث في تمويل جانبٍ كبير من موازنتها العامة وحصيلتها من النقد الأجنبي.
وقد أبقت وزارة المالية الغانية، في مراجعتها لموازنة منتصف العام الماضي شهرًا، على أهدافها الاقتصادية الكلية الرئيسة دون تغيير، مؤكدةً أن مسار التعافي الاقتصادي يسير وفق الخطة الموضوعة له.
وأبقى البنك المركزي الغاني على سعر فائدته الرئيس دون تغييرٍ للاجتماع الثاني على التوالي في يوليو، مشددا في الوقت ذاته على ضرورة التزام اليقظة لضمان عدم تجاوز التضخم النطاق المستهدف الممتد بين 6% و10%.
ويعكس هذا الموقف الحذر إدراك صنّاع السياسة النقدية أن التراجع الأخير، وإن كان مبشرا، لا يعني بعدُ استقرارًا كاملًا للأسعار يغني عن الحذر في القرارات المقبلة، لا سيما في اقتصادٍ لا يزال يحمل ندوب أزمة الديون التي أثقلت كاهله قبل عامين فقط.
وتعكس هذه المؤشرات أن الاقتصاد الغاني لا يزال يمر بمرحلة انتقالية دقيقة، إذ يبقى عرضة لتقلبات أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الذهب والكاكاو، اللذان يمثلان ركيزتين رئيسيتين للصادرات، إلى جانب استمرار تأثر الأسعار المحلية بتكاليف الطاقة والنقل.
ورغم هذه التحديات، فإن مواصلة التضخم مساره الهبوطي خلال الأشهر المقبلة قد تمنح البنك المركزي هامشا أوسع لإعادة النظر في سياسته النقدية، بما في ذلك إمكانية تخفيف القيود على أسعار الفائدة، وهو ما قد يسهم في خفض تكلفة الاقتراض، وتحفيز الاستثمار، ودعم وتيرة النمو الاقتصادي.
قبل أيام أعلن صندوق النقد الدولي في بيان له أن المجلس التنفيذي للصندوق أكمل المراجعة السادسة والأخيرة لبرنامج دعم غانا البالغ 3 مليارات دولار، مما يمهد الطريق لصرف دفعة نهائية تبلغ حوالي 371 مليون دولار.
وقال نائب المدير العام لصندوق النقد الدولي، بو لي، إن أداء غانا في إطار البرنامج كان مرضياً بشكل عام، حيث ساهمت جهود الإصلاح المستمرة والتطورات الإيجابية في أسعار السلع الأساسية في استقرار الاقتصاد وخفض مخاطر الديون.
توصلت غانا في مايو الماضي إلى اتفاق مع بعثة صندوق النقد الدولي بشأن المراجعة النهائية لبرنامج القرض البالغ 3 مليارات دولار، والذي أسهم في مساعدة البلاد على تجاوز أسوأ أزمة اقتصادية شهدتها منذ عقود. ولا يزال تنفيذ الاتفاق مرهونا بموافقة مجلس إدارة الصندوق.
وفي إطار دعم الاقتصاد وافق مجلس الوزراء الغاني على تعديلات لقانون التعدين لتقديمها إلى البرلمان، وذلك في إطار جهود الحكومة لزيادة الرقابة على قطاع التعدين الرئيسي المدر للدخل والحد من التعدين غير القانوني.
وغانا، أكبر منتج للذهب في أفريقيا، تعمل على تنفيذ إصلاحات تهدف إلى تعزيز إيرادات الدولة وزيادة المشاركة المحلية في ثروتها المعدنية.