تتجه البنوك المصرية نحو مرحلة جديدة من العمل المصرفي مع التوسع في تطبيق منظومة الهوية المالية الرقمية، التي من المنتظر أن تغير بصورة كبيرة آليات تقديم الخدمات البنكية، وتقلل الاعتماد على الإجراءات التقليدية التي تتطلب حضور العملاء إلى الفروع.
وأكد الخبير المصرفي وليد ناجي أن التحول إلى الخدمات المصرفية الرقمية لن يقتصر تأثيره على تسهيل تعاملات العملاء، وإنما سيمتد إلى هيكل التكاليف داخل البنوك، بما قد ينعكس على مستوى المنافسة وأسعار الخدمات والمنتجات المصرفية خلال الفترة المقبلة.
وأوضح ناجي، خلال حديثه لقناة «إكسترا نيوز»، أن إتاحة فتح الحسابات عن بُعد ستقلل حاجة العملاء إلى زيارة الفروع، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى خفض جزء من المصروفات التشغيلية التي تتحملها البنوك، سواء المرتبطة بإدارة الفروع أو بعض الإجراءات والعمليات التي تعتمد على العنصر البشري.
وفورات تشغيلية رغم ارتفاع تكلفة التكنولوجيا
وأشار الخبير المصرفي إلى أن التحول الرقمي لا يعني اختفاء التكاليف، إذ ستحتاج البنوك إلى ضخ استثمارات مستمرة في البنية التكنولوجية، وتطوير أنظمة الحماية والأمن السيبراني، إلى جانب تحديث المنصات الإلكترونية القادرة على استيعاب أعداد أكبر من العملاء والمعاملات.
ومع ذلك، أوضح أن المقارنة بين تكلفة تشغيل المنظومة التقليدية وتكلفة الخدمات الرقمية تميل في النهاية لصالح التحول الرقمي، خاصة مع اتساع قاعدة العملاء وزيادة الاعتماد على الخدمات الإلكترونية.
وأضاف أن خفض الاعتماد على المستندات والإجراءات الورقية يمكن أن يحقق وفورات إضافية، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام البنوك لإعادة النظر في تكلفة بعض الخدمات والمنتجات التي تقدمها للعملاء.
حرية أكبر أمام العملاء
ولفت ناجي إلى أن المستفيد الأكبر من هذه التطورات سيكون العميل، الذي سيحصل على مساحة أكبر من المرونة في اختيار البنك والخدمات التي تناسب احتياجاته، دون أن يكون موقع الفرع أو ساعات العمل التقليدية عائقًا أمامه.
وأوضح أن الهوية المالية الرقمية يمكن أن تتيح للعميل إجراءات مصرفية أكثر سهولة، بما في ذلك فتح حسابات لدى أكثر من بنك، مع إمكانية تنفيذ التحويلات المالية بين البنوك بصورة أسرع وأكثر مرونة.
ويرى أن هذه المرونة ستدفع البنوك إلى تطوير مستوى الخدمات التي تقدمها، خاصة مع زيادة قدرة العملاء على المقارنة بين المنتجات والأسعار واختيار البدائل الأكثر ملاءمة لاحتياجاتهم.
المنافسة تتحول إلى محرك لتطوير الخدمات
وأكد الخبير المصرفي أن زيادة الاعتماد على التكنولوجيا ستفرض شكلًا جديدًا من المنافسة داخل القطاع المصرفي، إذ لن تصبح المنافسة قائمة فقط على عدد الفروع أو انتشارها الجغرافي، وإنما ستتجه بصورة أكبر إلى جودة التطبيقات والمنصات الرقمية وسرعة تنفيذ المعاملات وتنوع المنتجات.
وأشار إلى أن البنوك ستكون مطالبة بتقديم خدمات أكثر تطورًا وأسهل استخدامًا، مع الحفاظ على مستويات مرتفعة من الأمان، حتى تتمكن من جذب العملاء والاحتفاظ بهم في سوق مصرفية أكثر تنافسية.
الشمول المالي في قلب التحول
وشدد ناجي على أن التوسع في الهوية المالية الرقمية يمثل فرصة مهمة لدعم خطط الشمول المالي، من خلال الوصول إلى شرائح جديدة من المواطنين وتسهيل انضمامهم إلى القطاع المصرفي.
وأوضح أن تقليل الإجراءات التقليدية وتوفير إمكانية التعامل مع البنوك عن بُعد يمكن أن يشجع فئات لم تكن تتعامل مع البنوك من قبل على فتح حسابات والاستفادة من الخدمات المالية الرسمية.
وأضاف أن اتساع قاعدة العملاء سيخلق بدوره سوقًا أكبر أمام البنوك، ما يدفعها إلى ابتكار منتجات مالية جديدة تتناسب مع احتياجات شرائح مختلفة من المجتمع.
تحول رقمي يغير شكل القطاع المصرفي
واختتم وليد ناجي بالتأكيد على أن الهوية المالية الرقمية لا تمثل مجرد وسيلة إلكترونية لفتح الحسابات، وإنما يمكن أن تكون بداية لتغيير أوسع في نموذج العمل المصرفي، من خلال خفض بعض التكاليف التشغيلية، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز المنافسة، وتوفير خيارات أكثر أمام العملاء.
وأشار إلى أن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرة البنوك على تحقيق التوازن بين الاستثمار في التكنولوجيا والأمن السيبراني من جهة، والاستفادة من الوفورات الناتجة عن تقليل الإجراءات التقليدية من جهة أخرى، بما يخدم أهداف التحول الرقمي ويدعم الشمول المالي في مصر.