قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: أتيليه القاهرة.. المكان الذي يشبهنا!

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

لماذا نتذكر الأماكن التي لم نعش فيها طويلًا؟ ولماذا تحفر فينا أماكن مررنا بها مرورًا عابرًا، بينما ننسى أماكن قضينا فيها سنوات؟
أفكر في (أتيليه القاهرة) الآن، وأنا بعيد عنه، وأتذكر تفاصيل صغيرة، درجة السلم الرخامي، ورائحة الجدران القديمة المخلوطة برائحة القهوة، وصوت الراديو الخافت القادم من مكان ما. 
لا أدعي أنني كنت من أهله الدائمين. دخلته مرات قليلة، ربما أقل مما يستحق المكان مني. لكن شيئًا بقي عالقًا، يشبه طعم الحكاية التي لم تكتمل. ربما لهذا أكتب عنه. لا لأؤرخ له، فالمؤرخون يقومون بواجبهم. ولا لأرثيه، فالرثاء لا يعيد شيئًا. لكني أكتب حتي أفهم ما الذي يحدث لنا حين نفقد مكانًا كان يشبهنا أكثر مما نشبه أنفسنا؟!
المكان الذي كان!
لم يكن أتيليه القاهرة مجرد مقهى ثقافي، ولا صالة عرض، ولا منتدى للمناقشات. كان كل هذا معًا، لكنه أيضًا شيء آخر لا يمكن تسميته بدقة. كان أقرب إلى بيت قديم، يعرف ساكنوه بعضهم بعضًا، ويتحدثون بلغة يفهمونها دون شرح. في البيوت القديمة، توجد دائمًا تلك الحجرة الواسعة التي يجلس فيها الجميع؛ الكبير والصغير، الجاد والضاحك، المتكلم والصامت. لا أحد يطرد منها، ولا أحد يشعر بأنه دخيل. هذا ما كان عليه الأتيليه. حجرة واسعة بلا جدران حقيقية، تتسع للجميع، حتى لأولئك الذين يأتون صدفة، مثلي، فيجدون أنفسهم قد صاروا جزءًا من المكان دون أن يطلبوا ذلك.
كان هناك نوع من الديمقراطية غير المكتوبة. الرسام يستمع للكاتب، والكاتب يتأمل لوحة الرسام، والموسيقي يشارك برأي في قصيدة تلقى أمامه. لم تكن هناك حواجز بين الفنون، ولا أسوار بين الأجيال. كان التلاقي يحدث طبيعيًا، كما يحدث التلاقي بين الجداول الصغيرة التي تصب في نهر واحد.
أشعر الآن أن هذا هو ما نفتقده حقًا، تلك القدرة على التلاقي. صرنا نعيش في جزر معزولة، كل واحد في جزيرته، مشغول بعمله الخاص، لا يعرف ماذا يفعل جاره. صارت الثقافة نفسها حقولًا منفصلة، لكل حقل حراسه وأسواره وقوانينه. ومن يدخل حقلًا غير حقله، ينظر إليه بريبة.
في (أتيليه القاهرة)، لم يكن هناك حراس. كان الباب مفتوحًا دائمًا. وكان من يدخل يجد مكانًا له، حتى لو كان المقعد الوحيد الباقي في الركن البعيد.
حين كان للكلمة وزن
أتذكر أن الدكتور مدحت الجيار قال لي مرة، ونحن نتحدث عن الماضي الثقافي: "كان الكلام في ذلك الزمن يكلف صاحبه". لم أفهم المقصود وقتها. ظننت أنه يتحدث عن الرقابة، أو عن الخوف السياسي. لكني اكتشفت لاحقًا أنه كان يقصد شيئًا آخر تمامًا. كان يقصد أن الكلمة كانت توزن. أن النقد كان نقدًا حقيقيًا. وأن الاعتراف بالموهبة كان يمر عبر امتحان صعب، لا تجامل فيه ولا مجاملات. كان المبدع يعرف أن عمله سيقرأ بعيون فاحصة، وسيحكم عليه بقسوة ربما، لكنها قسوة عادلة تنبع من احترام الفن نفسه. أما الآن، فالكلمات صارت رخيصة، مثل عملة فقدت قيمتها. الجميع يمدحون الجميع. والجميع يصفقون للجميع. وأصبح النقد الجاد فعلًا نادرًا، نخشى منه كما نخشى الحقيقة التي تؤلم.
في (أتيليه القاهرة)، كانت هناك سلطة معنوية مؤثرة . سلطة لا تصدر قرارات، ولا تملك مناصب، لكنها تملك ما هو أهم: الاحترام. كان الفنان الشاب يحلم بأن يعترف به "أهل الأتيليه". لم يكن هذا الاعتراف يشترى، ولا يمنح بالعلاقات. كان يكتسب بالعمل الحقيقي. واليوم، ما الذي يعادل هذا الاعتراف؟ الجوائز التي تشترى؟ أم التكريمات التي توزع بالحصص؟ أم الإعجابات على منصات التواصل؟ لا شيء. وهذا هو الفارق. كان هناك مكان يقول لك الحقيقة، حتى لو كانت مرة. الآن، لا أحد يقول الحقيقة، لأن الحقيقة صارت تكلف أكثر مما يحتمل.
الشباب والمكان الغائب
أفكر في شاب موهوب، يجلس في غرفته، يكتب قصيدة أو قصة أو يرسم لوحة. ماذا يفعل بها؟
في زمن مضى، كان يحملها ويمضي إلى مكان مثل أتيليه القاهرة. يعرضها. يستمع إلى الآراء. يناقش. يتعلم. يرجع إلى بيته محمّلًا بالأسئلة، لا بالإجابات الجاهزة. ثم يعود مرة أخرى، محمّلًا بعمل جديد.
الآن، أين يذهب الشاب بعمله؟ ينشره على صفحته. ينتظر التعليقات. "جميل". "رائع". "مبدع". كلمات من ثلاث حروف أو أربع، لا تكلف صاحبها شيئًا، ولا تضيف إلى صاحب العمل شيئًا. ثم تبتلع الموجة العمل كله، ولا يبقى منه أثر.
هذه هي المأساة المؤلمة. ليست مأساة المكان المغلق، بل مأساة الجيل الذي لا يجد مكانًا يذهب إليه بعمله، ولا أذنًا تصغي إليه، ولا عينًا فاحصة تنظر إليه. المؤسسة الثقافية الفاعلة ليست مبنى. إنها أم. تحتضن. توجه. تقسو أحيانًا. لكنها في النهاية تمنح أبناءها ما يحتاجونه؛ الشعور بالانتماء. الشعور بأن هناك من ينتظر عملهم، ومن يهتم بما يفعلون. شباب اليوم لا يشعرون بهذا. إنهم أيتام ثقافيًا. لا آباء يرعونهم، ولا بيوت تؤويهم. لهذا يبحثون عن بدائل واهية في الفضاء الرقمي، الذي يمنحهم وهم الحضور، ويحرمهم حقيقة اللقاء.
لماذا نبكي؟
أعود إلى السؤال الأول لماذا نبكي على الأطلال؟
ربما لأننا نشعر بالذنب. نعم، الذنب. لقد أهملنا هذه الأماكن. تركناها تموت بصمت، بينما نحن مشغولون بأشياء صغيرة تافهة ؛ بصورنا على الشاشات، وبمعاركنا الوهمية، وبشهرتنا الزائفة. ثم نكتشف فجأة أن المكان الذي كان يمكن أن ينقذنا من كل هذا قد مات. فنشعر بالذنب. والبكاء يعفينا من المواجهة. يمنحنا إحساسًا بأننا فعلنا شيئًا، بينما نحن لم نفعل شيئًا.
البكاء على الأطلال نوع من التنصل؛ نرثي المكان كي لا نتحمل مسئولية بناء بديل. نقول: كان زمنًا جميلًا!، كي لا نقول: نحن عاجزون عن صنع زمن جميل!. هذا هو البكاء المريح، الذي لا يكلف صاحبه شيئًا. أما البكاء الصادق ، فهو الذي يدفعك إلى الفعل. إلى أن تنهض من مكانك، وتنفض الغبار عن ذاكرتك، وتبدأ العمل.
ما الذي يمكن فعله؟
لن يعود أتيليه القاهرة بشكله القديم. هذا مؤكد. لكن السؤال ليس كيف نعيده؟ السؤال هو كيف نصنع شيئًا يعادل ما كان يعنيه؟
لا توجد إجابات جاهزة. لكن هناك بدايات ممكنة. البداية الأولى أن نكف عن البكاء. أن نواجه حقيقة أن المكان مات، وأن البكاء لن يعيده. والثانية أن نبدأ من حيث نحن. من بيوتنا. من أصدقائنا. من أي مكان صغير يمكن أن نجلس فيه ونتحدث بجدية.
و الثالثة أن نعيد بناء الثقة بيننا. أن نمتنع عن المجاملات القاتلة. أن نقول الحقيقة لبعضنا، حتى لو كانت مرة. أن نعيد للكلمة وزنه أما البداية الرابعة فهي أن نفتح الأبواب. كل الأبواب. أمام كل من يحمل موهبة حقيقية، بغض النظر عن اسمه أو انتمائه أو علاقاته. هذه ليست وصفة سحرية. لكنها بداية. والبدايات الصغيرة، حين تكون صادقة، تصنع أشياء كبيرة عبر الزمن.
أتيليه القاهرة كان مكانًا. مات المكان. لكن الفكرة التي كان يمثلها لم تمت، ولن تموت. الفكرة موجودة في كل شاب يحاول أن يكتب بجدية. وفي كل فنان يرفض المجاملة. وفي كل مثقف يؤمن بأن للكلمة مسئولية. ما نحتاجه الآن ليس مبنى جديدًا يحمل اسمًا قديمًا. ما نحتاجه هو روح جديدة تحمل الفكرة القديمة. روح تؤمن بأن الثقافة فعل جاد، لا ترف اجتماعي. وأن المثقف صاحب رسالة، لا نجم يلهث وراء الشهرة. وأن المؤسسة الثقافية بيت مفتوح، لا نادي مغلق.
فلنكف عن البكاء على الأطلال. ولنبدأ العمل. في صمت. بجدية. دون ضجيج. فالأماكن تموت. لكن الأفكار التي منحت المكان معناه تبقى. تنتظر من يحملها. وتنتظر من يمنحها مكانًا جديدًا. وربما، بعد سنوات، سيتذكرنا أحدهم كما نتذكر الآن أتيليه القاهرة. سيتذكر أننا حاولنا. أننا لم نستسلم للبكاء. أننا بنينا شيئًا، مهما كان صغيرًا.
وهذا يكفي.