في الظاهر، تبدو انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي معركة تقليدية على المقاعد والنفوذ بين الجمهوريين والديمقراطيين؛ مرشحون يتنافسون، وحملات انتخابية تنفق ملايين الدولارات، وناخبون يتوجهون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في مجلسي النواب والشيوخ. لكن خلف هذا المشهد الانتخابي المباشر تجري معركة أخرى أكثر تعقيدًا، تتقاطع فيها السياسة بالمال، واللوبيات بالانتخابات، والمصالح الاقتصادية بالأمن القومي، ويحتل فيها ملف واحد موقعًا بالغ الحساسية هو إسرائيل.
فالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية لم تعد في انتخابات 2026 مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية، بل أصبحت بصورة متزايدة جزءًا من الصراع الداخلي على هوية الحزبين، وعلى مستقبل الكونجرس، وعلى نوعية المرشحين القادرين على الوصول إلى مقاعده. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل حليفة لإسرائيل؛ فهذا التحالف ما زال راسخًا في مؤسسات السياسة الأمريكية، وإنما السؤال الأكثر دقة: إلى أي مدى ستظل إسرائيل قضية تحظى بالتوافق السياسي الأمريكي التقليدي، ومن سيدفع انتخابيًا ثمن الخروج عن هذا التوافق؟
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
على مدى عقود، شكّل الدعم لإسرائيل أحد أكثر الملفات رسوخًا في السياسة الأمريكية، وتعاونت في الدفاع عنه قوى من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وتعلن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، المعروفة اختصارًا بـAIPAC، أنها تعمل مع أعضاء من الحزبين لتعزيز العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، كما تدعم مرشحين وسياسات ترى أنها تعزز هذه العلاقة.
لكن ما كان يومًا قضية تكاد تتجاوز الاستقطاب الحزبي بدأ يتغير.
فالحرب في غزة، والتحولات داخل الحزب الديمقراطي، وصعود التيار التقدمي، وتغير مواقف قطاعات من الناخبين، كلها دفعت ملف إسرائيل إلى قلب نقاش أوسع حول طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية وحدود الدعم العسكري لإسرائيل.
والدليل الأوضح جاء من داخل مجلس النواب نفسه في يوليو 2026، عندما صوّت 103 نواب ديمقراطيين إلى جانب النائب الجمهوري توماس ماسي لصالح تعديل كان من شأنه إزالة نحو 3.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل من مشروع مخصصات وزارة الخارجية والأمن القومي. وقد فشل التعديل بأغلبية 314 صوتًا مقابل 104، لكنه كشف في الوقت نفسه عن انقسام غير مسبوق داخل التجمع الديمقراطي؛ إذ صوّت 103 ديمقراطيين لصالح وقف التمويل، مقابل 98 عارضوه، بينما اختار عشرة التصويت بـ«حاضر».
صحيح أن التصويت لم يغير سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، ولم يكن قريبًا من تمرير التعديل، لكنه حمل دلالة سياسية تتجاوز نتيجته الإجرائية؛ إذ كشف أن قضية كانت لعقود من أكثر نقاط التوافق الحزبي رسوخًا أصبحت موضوعًا لصراع حقيقي داخل أحد الحزبين الرئيسيين.
وهذه ربما واحدة من أهم الإشارات السياسية في انتخابات 2026: فإسرائيل لم تعد بالنسبة إلى جزء متزايد من الديمقراطيين قضية خارجية فحسب، وإنما أصبحت قضية انتخابية داخلية.
لكن إذا كانت المواقف السياسية تتغير، فإن السؤال التالي يصبح أكثر حساسية: ماذا يحدث عندما تدخل الأموال إلى هذه المعركة؟
هنا يظهر دور جماعات الضغط والـSuper PACs، وهي لجان سياسية مستقلة تستطيع جمع وإنفاق مبالغ كبيرة لدعم مرشحين أو معارضة آخرين، من دون أن تكون جزءًا من حملاتهم الرسمية.
وفي مقدمة القوى التي أصبحت تحت المجهر في انتخابات 2026 منظمة AIPAC، إلى جانب شبكات سياسية مرتبطة بها، ومن أبرزها United Democracy Project. وتُظهر سجلات لجنة الانتخابات الفيدرالية أن United Democracy Project جمع أكثر من 103.9 مليون دولار خلال الفترة من يناير/كانون الثاني 2025 حتى يونيو/2026، وأنفق خلال الفترة نفسها أكثر من 52.5 مليون دولار. كما أدرجته لجنة الانتخابات الفيدرالية ضمن لجان الإنفاق السياسي المستقلة.
والأهمية السياسية لهذه الأرقام لا تكمن في حجمها وحده، وإنما في قدرتها على دخول أكثر مراحل العملية الانتخابية حساسية: الانتخابات التمهيدية.
فالمرشح الذي يخوض الانتخابات التمهيدية لا يواجه بالضرورة خصمًا من الحزب الآخر، وإنما قد يواجه منافسًا من داخل حزبه نفسه؛ ولذلك يمكن للإنفاق السياسي في هذه المرحلة أن يؤثر في هوية المرشح الذي سيصل إلى الانتخابات العامة أصلًا.
وفي هذا السياق، أصبحت مواقف المرشحين من إسرائيل أحد عناصر المعركة داخل الحزب الديمقراطي، خصوصًا مع صعود تيار تقدمي أكثر انتقادًا للسياسة الإسرائيلية، في مقابل جناح مؤسسي لا يزال يتمسك بدرجة أكبر بالشراكة التقليدية بين واشنطن وتل أبيب.
لكن المفارقة الأهم أن المال السياسي، مهما بلغ حجمه، بدأ يواجه اختبارًا جديدًا: هل يستطيع شراء النتيجة، أم أنه لا يستطيع سوى إعادة تشكيل المعركة؟
وأحد أحدث الأمثلة جاء من كاليفورنيا، حيث خاضت الديمقراطيتان عائشة وهاب وميليسا هيرنانديز انتخابات خاصة على مقعد مجلس النواب الشاغر. ووفق تقارير صحفية، أنفق United Democracy Project، المرتبط بشبكة AIPAC، نحو 2.5 مليون دولار لدعم هيرنانديز في مواجهة وهاب، إلى جانب إنفاق سياسي آخر في السباق. ومع ذلك فازت وهاب بالانتخابات الخاصة بأكثر من 53% من الأصوات مقابل نحو 47% لهيرنانديز، لتصبح أول أمريكية من أصول أفغانية تصل إلى الكونجرس.
ولا تعني هذه النتيجة أن نفوذ AIPAC انتهى، ولا تسمح بالقول إن المال السياسي لم يعد مؤثرًا؛ لكنها تقدم إشارة مهمة: المال يستطيع أن يغير شكل المعركة، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يضمن نتيجتها.
وهنا تكمن إحدى أخطر التحولات في السياسة الأمريكية.
فإذا كان المرشح يستطيع في الماضي أن يتعامل مع الموقف من إسرائيل باعتباره جزءًا شبه ثابت من قواعد اللعبة السياسية، فإن المرشح الديمقراطي اليوم يجد نفسه أمام قاعدة انتخابية أكثر انقسامًا.
فهناك ناخبون ما زالوا يرون أمن إسرائيل مصلحة أمريكية استراتيجية وامتدادًا للتحالف التاريخي بين البلدين، وفي المقابل هناك ناخبون، خصوصًا في أوساط تقدمية وشابة، يطالبون بوضع شروط على المساعدات العسكرية الأمريكية، أو بإعادة النظر في حجمها، أو بموقف أكثر صرامة تجاه سياسات الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
وبين الطرفين يقف عدد كبير من السياسيين الذين لا يريدون خسارة أي من القاعدتين.
وهذا هو المكان الذي تصبح فيه الانتخابات التمهيدية أخطر من الانتخابات العامة.
فالمرشح الديمقراطي لا يخشى فقط خصمه الجمهوري؛ بل قد يخشى قبل ذلك منافسًا تقدميًا داخل حزبه يستطيع أن يصور موقفه من إسرائيل باعتباره امتدادًا لسياسة قديمة لم تعد مقبولة لدى قطاعات من الناخبين الديمقراطيين.
وفي المقابل، يدرك المرشح أن اتخاذ مواقف شديدة الانتقاد لإسرائيل قد يجعله عرضة لإنفاق سياسي مضاد من جماعات مؤيدة للتحالف الأمريكي الإسرائيلي.
وبذلك يجد المرشح نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: ضغط القاعدة الانتخابية من الداخل، وضغط المال السياسي من الخارج، وحسابات الحزب في المنتصف.
وهذه المعادلة تجعل انتخابات الكونجرس في 2026 مختلفة عن دورات سابقة؛ فالمعركة لم تعد فقط حول سؤال: «من يفوز بالمقعد؟»، وإنما أصبحت أيضًا حول سؤال أكثر عمقًا: «أي نوع من السياسيين يستطيع الوصول إلى المقعد؟»
هل سيكون عضو الكونجرس القادم أكثر استعدادًا لمواصلة السياسة التقليدية تجاه إسرائيل؟ أم سيكون أكثر استعدادًا لمساءلة المساعدات العسكرية؟ أم سيحاول البحث عن صيغة وسط بين الطرفين؟
الإجابة ستحددها صناديق الاقتراع، لكنها ستتأثر قبل الوصول إلى الصناديق بالموارد التي تنفقها الحملات واللجان السياسية وجماعات المصالح، وبالرسائل التي تصل إلى الناخبين خلال الانتخابات التمهيدية والعامة.
وهنا يجب التوقف أمام مفهوم بالغ الأهمية في السياسة الأمريكية: النفوذ لا يعني السيطرة.
فمن الخطأ العلمي والسياسي القول إن جماعة ضغط واحدة «تتحكم» في الكونجرس، أو أن إسرائيل هي التي تختار أعضاءه. النظام الأمريكي أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فالقرارات تتشكل عبر الناخبين، والأحزاب، والولايات، والمانحين، وجماعات المصالح، والقيادات الحزبية، واللجان البرلمانية، والحسابات الانتخابية، وموازين القوة داخل الكونجرس نفسه.
لكن من الخطأ أيضًا تجاهل قوة جماعات الضغط والإنفاق السياسي.
فالوقائع الانتخابية في 2026 تظهر أن القضية الإسرائيلية أصبحت مجالًا واضحًا للاستثمار السياسي، وأن جماعات مؤيدة لإسرائيل تنفق مبالغ كبيرة في بعض السباقات بهدف دعم مرشحين تعتبرهم أكثر توافقًا مع رؤيتها للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، أو مواجهة مرشحين ترى أن مواقفهم قد تدفع هذه العلاقة في اتجاه مختلف. ويظهر ذلك بوضوح في نشاط United Democracy Project وفي حجم الأموال التي دخلت بالفعل إلى سباقات الكونجرس.
ومن هنا يمكن فهم المعركة الأوسع: إنها ليست معركة بين إسرائيل والكونجرس بالمعنى المباشر، وإنما معركة على شكل الكونجرس نفسه، وعلى طبيعة الأعضاء الذين سيجلسون داخله، وعلى الحدود التي يمكن أن تصل إليها السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
وفي الجانب الجمهوري تبدو الصورة مختلفة جزئيًا.
فالحزب الجمهوري ما زال أكثر تمسكًا بالتحالف التقليدي مع إسرائيل، كما أن قاعدة الرئيس دونالد ترامب السياسية تتبنى في قطاعات واسعة رؤية أكثر دعمًا لإسرائيل من التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.
لكن حتى هذا المعسكر ليس كتلة واحدة؛ إذ توجد داخل اليمين الأمريكي تيارات تركز على مبدأ «أمريكا أولًا»، وتطرح أسئلة حول حجم الإنفاق الخارجي، وأولوية المصالح الأمريكية المباشرة، وحدود الانخراط الأمريكي في صراعات الشرق الأوسط.
وبذلك تصبح إسرائيل نقطة تقاطع بين صراعات متعددة: صراع الديمقراطيين بين الجناح المؤسسي والجناح التقدمي، وصراع الجمهوريين بين أنصار السياسة الخارجية التقليدية وأنصار «أمريكا أولًا»، وصراع أوسع حول الدور الذي ينبغي أن تلعبه الولايات المتحدة في العالم.
ولذلك فإن انتخابات نوفمبر 2026 لن تكون مجرد اختبار لشعبية دونالد ترامب أو لقدرة الديمقراطيين على استعادة السيطرة على الكونجرس؛ بل ستكون أيضًا اختبارًا لمستقبل واحدة من أكثر العلاقات رسوخًا في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية.
إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونجرس، فمن المرجح أن يبقى الدعم لإسرائيل أقرب إلى النهج التقليدي للحزب.
أما إذا تمكن الديمقراطيون من تحقيق اختراق واسع، فقد يصبح حجم الجناح التقدمي داخل الكونجرس عاملًا حاسمًا في إعادة تعريف النقاش حول العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، أو على الأقل في إعادة تعريف شروط الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل.
والأهم من ذلك أن النتيجة قد لا تكون انتصارًا مطلقًا لأي طرف.
فقد نصل إلى كونجرس منقسم، أو إلى مجلس يضم عددًا متزايدًا من الديمقراطيين المنتقدين للسياسة الإسرائيلية، في مقابل مجلس آخر أكثر تمسكًا بالتحالف التقليدي. وعندها تصبح إسرائيل نفسها إحدى ساحات الصراع بين المجلسين، وبين الحزبين، وربما داخل الحزب الواحد.
وهنا نصل إلى جوهر الحكاية.
إن انتخابات الكونجرس الأمريكي ليست فقط انتخابات على المقاعد؛ إنها انتخابات على السياسات التي ستصنعها هذه المقاعد.
ومن يراقب الأموال التي تنفق في الانتخابات التمهيدية، والمرشحين الذين تتعرض حملاتهم للهجوم، والمرشحين الذين يحصلون على الدعم، والتغير في مواقف الناخبين، والتصويتات المتعلقة بالمساعدات العسكرية لإسرائيل، يستطيع أن يرى شيئًا أكبر من مجرد منافسة انتخابية.
إنه يرى عملية إعادة تشكيل بطيئة للعلاقة بين السياسة الأمريكية وإسرائيل.
وقد لا تنتهي هذه العملية بقطع التحالف، ولا يبدو ذلك السيناريو هو الأقرب في المدى المنظور، لكن من الواضح أن شكل الدعم الأمريكي لإسرائيل أصبح موضوعًا قابلًا للنقاش والمساومة والصراع الانتخابي بصورة لم تكن مألوفة داخل الكونجرس الأمريكي قبل سنوات قليلة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
فإسرائيل لا تقف على بطاقة الاقتراع الأمريكية، لكنها حاضرة في عدد متزايد من المعارك التي تحدد من يصل إلى بطاقة الاقتراع أصلًا.
والكونجرس لا ينتخب رئيس الوزراء الإسرائيلي، لكنه يمتلك واحدة من أهم الأدوات التي يمكن أن تؤثر في علاقة واشنطن بتل أبيب: التشريع، والتمويل، والرقابة، والمساعدات العسكرية، والقدرة على مساءلة السلطة التنفيذية.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية لا تجري فقط أمام صناديق الاقتراع، بل خلفها؛ هناك، حيث تتحرك الأموال، وتُرسم الاستراتيجيات، وتُختبر قدرة جماعات الضغط على صناعة النفوذ، ويتصارع الحزبان على الناخبين، ويعيد كل جيل تعريف علاقته بالسياسة الخارجية الأمريكية.
وفي انتخابات 2026 تحديدًا، يبدو أن السؤال لم يعد: هل ستبقى إسرائيل حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة؟
السؤال الأكثر عمقًا أصبح:
من داخل الكونجرس الأمريكي سيحدد شكل هذا التحالف، وما ثمنه، وما حدوده، ومن سيدفع سياسيًا ثمن محاولة تغيير قواعده؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع في نوفمبر/تشرين الثاني.
لكن قبل أن تُفتح الصناديق، تكون المعركة قد بدأت بالفعل.