من عظمة هذا الدين أنه لم يجعل الأمانة قاصرة على المال والودائع، بل جعل الكلمة أمانة، والسر أمانة، والمجلس أمانة. فما يُقال بين الجلساء، وما يُكتب في رسالة خاصة، أو يُتداول في محادثة نصية، له حرمة لا يجوز انتهاكها، ولا يسوغ نقلها أو التجسس عليها إلا بإذن أو لضرورة شرعية معتبرة.
فقد روى أبو داود والترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا حدَّث الرجلُ الحديثَ ثم التفتَ، فهي أمانةٌ" فمجرد التفات المتحدث وحرصه على ألا يسمعه غيره، قرينة على أنه أراد الكتمان، فيصير ما قاله أمانة واجبة الصون، وإن لم يشترط ذلك صراحة.
وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا" (الحجرات: 12). فقرن الله بين التجسس والغيبة، لأن كليهما اعتداء على حرمة الغير: الأول باقتحام ما ستره، والثاني بإذاعة ما ستره غيره.
ومن أدق صور خيانة الأمانة ما جاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه، ثم ينشر سرَّها" (صحيح مسلم). فإذا كانت أسرار الزوجية بهذه الحرمة، فكيف بأسرار الأصدقاء والمتحاورين عبر الرسائل النصية، حين يُلتقط حديث خاص أو صورة شاشة (سكرين شوت) ثم تُنشر أو تُنقل بغير إذن؟
ومن خيانة المجالس أيضا النقل بقصد الإفساد، وله اسم شرعي هو "النميمة"، وقد جاء فيها وعيد شديد؛ ففي الصحيحين عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قتات" (صحيح البخاري ومسلم)، والقتات هو النمام الذي ينقل الحديث بين الناس لإيقاع الشحناء.
وقد عدَّ الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" النميمةَ والغيبةَ من آفات اللسان الكبرى، وذكر أن حقيقة النميمة كشف ما يُكره كشفه، سواء كان القول أو الفعل مما يسوء المنقول إليه أو المنقول عنه، ولو كان المنقول صدقًا؛ إذ العبرة بالإفساد لا بصدق الخبر أو كذبه.
وقد قرر الفقهاء أن الأصل في كل ما يُقال في خلوة أو مجلس خاص أو يُكتب في رسالة أن يبقى مصونًا، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بإذن صاحبه، أو لدرء مفسدة راجحة كإنقاذ نفس أو منع جريمة، وهذا ما يقرره العلماء في باب "الغيبة المستثناة" التي ذكرها الإمام النووي في "رياض الصالحين"، وحصرها في حالات محددة كالتظلم والاستفتاء والتحذير من الشر، لا في مجرد الفضول أو التسلية.
إن من يتتبع رسائل الناس الخاصة، أو ينقل ما دار في مجلس ليشيعه بين الآخرين، إنما يخون أمانة ائتمنه الله عليها قبل أن يأتمنه عليها صاحبها. وكم من بيت هُدم، وصداقة انقطعت، ومجتمع تفكك بسبب كلمة نُقلت أو رسالة تسربت!
فليتق المسلم ربه في مجالسه ورسائله، وليعلم أن حفظ الأسرار من صميم الإيمان، كما جاء في الأثر: "لا إيمان لمن لا أمانة له" (رواه الإمام أحمد ) فليكن المسلم أهلًا للثقة، حافظًا للسر، صائنًا للسانه، فإن الكلمة أمانة، والسكوت عنها أحيانًا عبادة.