يبني فيلم «كده رضا» لعبته الكوميدية على فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها؛ ثلاثة توائم يحملون الملامح نفسها، ويتعاملون مع العالم من خلال هوية واحدة هي «رضا». لكن هذه الحيلة تتحول مع تطور الأحداث إلى مساحة أوسع لفهم الإقناع، وصناعة الصورة، وتأثير المعلومات في العلاقات الإنسانية. فكل طرف يدخل اللعبة وهو يحمل قدرًا مختلفًا من المعرفة، وكل معلومة جديدة تعيد توزيع القوة بين الشخصيات.
بيبو والبرنس وسمسم يعيشون سنوات وهم يعتمدون على امتلاكهم سرًا يمنحهم أفضلية كبيرة. الناس ترى وجهًا واحدًا، بينما يتحرك خلف هذا الوجه ثلاثة أشخاص لكل منهم طباعه ونقاط قوته وضعفه وطريقته في التعامل مع الآخرين. هذه المساحة بين الحقيقة والصورة المقدمة عنها تمنحهم قدرة على إدارة كثير من المواقف، وتجعلهم يشعرون بأنهم أصحاب اليد العليا في اللعبة.
ثم تدخل ندى.
وهنا تتضح، بعد الكشف الأخير، المفارقة الأذكى في الفيلم؛ فندى كانت تعرف منذ البداية أنهم ثلاثة توائم، بينما ظل الإخوة يتحركون على أساس أن سرهم في حوزتهم وحدهم. هم يعتقدون أنهم يصنعون الصورة التي تراها، وهي في المقابل تعرف ما يقف خلف الصورة، وتسمح لهم بالاستمرار في تقديمها.
بهذا تصبح المعلومة نفسها مصدرًا للقوة.
فالإنسان الذي يعرف أكثر عن الموقف يستطيع أن يقرأ تصرفات الآخرين بطريقة مختلفة. كل كلمة يسمعها تحمل لديه سياقًا أوسع، وكل محاولة للتأثير تكشف له جانبًا جديدًا من شخصية الطرف المقابل. وبعد انكشاف الحقيقة، نعيد قراءة تصرفات ندى باعتبارها صاحبة أفضلية هادئة؛ فهي كانت تتعامل مع الشخصيات الثلاث بوصفها ثلاث شخصيات مستقلة، وتتعامل مع كل واحد وفق طبيعته، في الوقت الذي يفسر فيه كل أخ تجاوبها باعتباره نجاحًا جديدًا في الخدعة.
وهنا يقترب الفيلم بصورة لافتة من فكرة التخصيص في علم الإقناع. فالرسالة تزداد تأثيرًا عندما يشعر الإنسان بأنها موجهة إليه تحديدًا، وأن الطرف الآخر يفهم اهتماماته وطبيعته واحتياجاته. كل واحد من الإخوة الثلاثة يملك شخصية مختلفة، ولذلك تستطيع ندى أن تقدم لكل منهم استجابة تناسبه، فيشعر كل واحد بدرجة خاصة من القرب.
ويضيف التشابه مستوى آخر إلى هذه اللعبة. الإنسان يميل إلى الأشخاص الذين يجد بينهم وبينه مساحة مشتركة؛ اهتمامًا متقاربًا، أو أسلوبًا مألوفًا، أو إحساسًا بالتفاهم. ندى تعرف الشخصيات التي تتعامل معها، وتمنح كل شخصية المساحة التي تسمح لها بأن ترى فيها ما يجذبها. هنا يصبح التشابه بابًا للألفة، والألفة تمهد للإعجاب، والإعجاب يزيد قابلية الإنسان للتأثر بالطرف الآخر.
ويصبح المثير أن الإخوة الثلاثة يستخدمون المبدأ نفسه بطريقتهم. كل واحد يقدم نسخة مختلفة من «رضا»، وكل نسخة تحمل أسلوبًا خاصًا في الكلام والحضور والتفاعل. الملامح ثابتة، بينما يتغير الإطار المحيط بها بالكامل.
وهنا يتحول أداء أحمد حلمي نفسه إلى جزء من الفكرة؛ فالاختلاف بين الإخوة يصنعه الجسد ونبرة الصوت والإيقاع وطريقة النظر قبل أن تصنعه الملابس أو الكلمات. يحمل الثلاثة الوجه نفسه، بينما يمنح الأداء لكل واحد منهم حضورًا مستقلًا، فيصبح الممثل هو الأداة الأولى التي تقنع المشاهد بوجود ثلاث شخصيات داخل ملامح واحدة.
وفي الجهة المقابلة تؤدي منة شلبي لعبة تمثيلية أكثر تركيبًا؛ فندى تعرف حقيقة الإخوة، وفي الوقت نفسه تقدم أمامهم شخصية المرأة التي تتعامل مع «رضا» بوصفه شخصًا واحدًا. وهكذا يصبح أداؤها قائمًا على مستويين؛ ما تعرفه الشخصية فعلًا، وما تختار أن تُظهره لهم.
وهذه واحدة من أجمل أفكار الفيلم إذا قرأناه من زاوية الـ Framing أو التأطير. فطريقة تقديم الشخص أو المعلومة تؤثر بقوة في استقبالها. الوجه نفسه يستطيع أن يبدو هادئًا في موقف، جريئًا في موقف آخر، عاطفيًا في ثالث. الصورة الخارجية واحدة، لكن السياق يعيد تشكيل معناها في كل مرة.
هنا تتحول العلاقة إلى سلسلة متبادلة من التأثير؛ فعل يولد استجابة، والاستجابة تصنع توقعًا، والتوقع يقود إلى فعل جديد. ويصبح الإقناع عملية تراكمية تتكون من تفاصيل صغيرة أكثر مما تتكون من خطاب واحد كبير.
ويستثمر السيناريو توزيع المعرفة بذكاء؛ فالإخوة يعتقدون أنهم أصحاب السر، والجمهور يشاركهم هذا الاعتقاد، بينما تحتفظ ندى بالمعلومة التي ستعيد، عند الكشف عنها، تفسير كثير من المواقف السابقة. وهكذا تتحول المفاجأة في النهاية من مجرد حل للحبكة إلى مفتاح لقراءة ما سبقها من جديد.
ويكتمل مثلث التأثير بظهور الدكتور سليمان، الذي يقف في خلفية اللعبة بوصفه الطرف الأكثر امتلاكًا للمعلومات وقدرة على توظيفها. يبدأ موقعه من سلطة الطبيب وثقة سمسم فيه، ثم تتحول المعرفة التي حصل عليها إلى أداة لبناء الخطة وتحريك ندى والإخوة معًا. وهنا يمنح الفيلم لمفهوم السلطة بُعدًا أكثر حساسية؛ فالمعرفة تمنح صاحبها قدرة على التأثير، وطريقة استخدامها هي التي تحدد اتجاه هذا التأثير. سليمان يفهم نقاط ضعف الشخصيات، ويعيد ترتيب الموقف بحيث يتحرك كل طرف داخل المسار الذي رسمه له، فتغدو الخدعة نتيجة لإدارة دقيقة للمعلومة والثقة أكثر من اعتمادها على المصادفة.
ومع تطور الأحداث يدخل الفيلم إلى منطقة أكثر حساسية، المسافة بين الإقناع والتلاعب.
الإقناع يقوم على التأثير في إدراك الإنسان من خلال الرسالة والسياق، بينما يتحول التأثير إلى تلاعب عندما يستخدم أحد الأطراف فهمه للطرف الآخر من أجل توجيه اختياراته عبر صورة صممت لخدمة هدف محدد. وفي «كده رضا» تصبح هذه المسافة جزءًا أساسيًا من اللعبة؛ لأن الشخصيات جميعها تستخدم الصورة والمعلومة والعاطفة لتحقيق أهدافها.
حتى اسم «رضا» نفسه يكتسب معنى لطيفًا داخل هذه القراءة. فالشخصيات الثلاث تبحث بطرق مختلفة عن القبول، وعن مساحة يشعر فيها كل واحد بأنه شخص مستقل، بينما يفرض عليهم السر أن يعيشوا اجتماعيًا تحت اسم واحد. وهكذا يتحول الاسم من مجرد حل عملي داخل الحبكة إلى إشارة إلى حاجة إنسانية أعمق؛ رغبة كل شخص في أن يُرى كما هو، وأن يحصل على القبول من خلال شخصيته الحقيقية.
لهذا يحتفظ «كده رضا» بجاذبيته بوصفه كوميديا ناجحة، وفي الوقت نفسه يفتح بابًا لقراءة أوسع عن الإدراك والإقناع وصناعة الصورة. الفيلم يبدأ بثلاثة رجال يعتقدون أن امتلاك وجه واحد يمنحهم السيطرة على الآخرين، ثم تدخل امرأة تمتلك معلومة واحدة تغير ميزان اللعبة كله. وفي النهاية تبدو الحيلة الأذكى أبسط من تعدد الوجوه نفسه؛ فالقوة تبدأ من امتلاك الحقيقة، وتتضاعف حين يعرف أحد الأطراف ما يجهله الطرف الآخر.
منال الشرقاوي تكتب: «كده رضا».. من يملك المعلومة يملك اللعبة