قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

منال الشرقاوي تكتب: «فتى أحلامي».. من أقنعة أوسكار وايلد إلى صوت عبد الحليم

منال الشرقاوي
منال الشرقاوي

ماذا لو وقعت في حب شخص قبل أن تعرفه؟ تسمع صوته فترسم له وجهًا، أو يعجبك اسمه فتبني وراءه شخصية كاملة، أو تصل إليك حكايات عنه فتقرر، من دون أن تراه، أنك تعرفه وربما تحبه أيضًا. ثم يظهر صاحب الصورة الحقيقي، فتبدأ المشكلة؛ لأن الخيال يكون قد سبقه بمسافة، وصنع له دورًا كاملًا قبل أن يحصل الرجل نفسه على فرصة لتقديم ذاته.

ومن هذه المسافة بين الإنسان والصورة التي تسبقه تنطلق واحدة من ألطف الألعاب في فيلم «فتى أحلامي»، الذي قدمه عبد الحليم حافظ في عام 1957. فعلى السطح نحن أمام كوميديا رومانسية غنائية مليئة بسوء التفاهم والمواقف الطريفة، لكن خلف هذه الحالة تتحرك فكرة أكثر ذكاء؛ أحيانًا نقع في حب ما تخيلناه عن الشخص قبل أن نقع في حبه هو.

تبدأ اللعبة حين تسمع سهام صوتًا جميلًا، فيأسرها قبل أن تعرف صاحبه، ثم ترى أمامها نوفل فتربط بين وجهه والصوت، وهكذا يولد فتى الأحلام في لحظة تركيب بسيطة بين ما سمعته وما رأته. غير أن الفيلم يمنح المشاهد امتيازًا إضافيًا، لأن الحقيقة مكشوفة أمامه منذ البداية؛ فهو يرى عبد الحليم حافظ ويسمع صوته، بينما تربط سهام هذا الصوت بنوفل. وهكذا تتحول معرفة الجمهور إلى جزء من المفارقة، فنحن نراقب الوهم وهو يتشكل أمامنا، بينما تظل سهام مقتنعة بأنها عثرت على صاحب الصوت الذي أسرها.

ومن هنا يصبح عنوان «فتى أحلامي» أكثر ذكاء مما يوحي به ظاهره، لأن فتى الأحلام يبدأ أصلًا داخل الخيال. نحن نصنع ملامحه، ونختار له صفاته، ثم نبحث في الواقع عمن يصلح لحمل هذه الصورة. ولهذا لا تتوقف لعبة الفيلم عند الصوت وحده، لكنها تمتد إلى الشخصيات وهي تقدم نسخًا مختلفة من نفسها، وإلى الحب الذي يتداخل مع الأسماء والصفات والمكانة الاجتماعية، ثم إلى الزواج حين يدخل معه السؤال التقليدي عن العائلة والأصل والمستوى.
وعندما تصبح العائلة المناسبة شرطًا للقبول، يذهب الفيلم إلى واحدة من أكثر أفكاره طرافة؛ إذا كانت المشكلة في غياب العائلة التي ترضي أهل العروس، فالحل ببساطة هو صناعة عائلة. وهكذا يظهر أشخاص يرتدون الملابس المناسبة، ويحملون الألقاب المناسبة، ويتصرفون بالصورة التي تمنح العريس الوجاهة المطلوبة. وفي هذه اللحظة يتحول المجتمع كله إلى مسرح؛ فهناك من يؤدي دورًا، وهناك من يصدق الدور لأن مظهره يطابق الصورة الموجودة مسبقًا في ذهنه.
وهنا تحديدًا نصل إلى الأب الحقيقي لهذه اللعبة؛ أوسكار وايلد ومسرحيته الشهيرة «أهمية أن تكون جادًا»، التي عرضت للمرة الأولى عام 1895. والأذكى أن عنوان المسرحية نفسه يقوم على لعبة لغوية؛ فكلمة Earnest  تعني الجاد أو الصادق، بينما Ernest  اسم الرجل الذي تدور حوله لعبة الهوية، والكلمتان تتشابهان في النطق.
ففي عالم وايلد يعيش جاك وورثينج في الريف بوصفه رجلًا محترمًا ومسؤولًا، لكنه يريد مساحة أخرى للحياة، فيخترع أخًا مستهترًا اسمه إرنست يقيم في لندن ويحتاج دائمًا إلى تدخل شقيقه. وحين يذهب جاك إلى المدينة، يصبح هو نفسه إرنست، أي إنه يتخيل الشخصية ثم يرتديها.
أما صديقه ألجرنون فيمارس اللعبة نفسها بطريقته، إذ يخترع رجلًا اسمه بنبري، ويجعل مرضه المستمر ذريعة جاهزة للهروب من المناسبات والالتزامات الاجتماعية. وبين جاك وألجرنون يصبح اختراع الأشخاص وسيلة للحصول على الحرية، قبل أن يدخل الحب ويجعل اللعبة أكثر تعقيدًا.
فجويندولين تحب جاك وهي تعرفه باسم إرنست، والأكثر من ذلك أن الاسم نفسه يمثل في خيالها جزءًا أساسيًا من جاذبيته، وكأنه يمنح صاحبه صفات الثقة والصدق والرجولة دفعة واحدة. أما سيسيلي فتسمع طويلًا عن إرنست الغامض، وتنسج حوله في خيالها قصة حب كاملة، حتى إن ألجرنون عندما يصل إليها متقمصًا هذا الاسم يجد نفسه قد دخل علاقة بدأت قبل حضوره.
وهنا تظهر براعة «فتى أحلامي» في تمصير الفكرة؛ فوايلد جعل المرأة تقع في أسر الاسم، بينما جعلها الفيلم المصري تقع في أسر الصوت. والاختيار بالغ الذكاء، لأن ما يمثله اسم «إرنست» في المسرحية من سحر ودلالة لغوية، يمثله صوت عبد الحليم في الفيلم من رومانسية وجاذبية. لقد تغيرت الأداة، بينما بقيت اللعبة نفسها؛ صورة تسبق صاحبها وتفرض عليه أن يلحق بها.
والأمر نفسه يحدث مع الطبقة الاجتماعية. فليدي براكنل في مسرحية وايلد تفحص جاك كما لو كان طلب زواج داخل لجنة قبول؛ تسأل عن دخله وممتلكاته وعائلته وأصله، ثم تتحول قصة العثور عليه طفلًا داخل حقيبة في محطة فيكتوريا إلى أزمة اجتماعية كاملة. وعندما تصل الفكرة إلى السينما المصرية، تجد مقابلها الطبيعي في السؤال عن العائلة والنسب والمكانة، ثم تجد حلها الكوميدي في اختراع عائلة كاملة تؤدي الدور المطلوب. والمفارقة الأجمل أن نوفل، بعد أن احتاج إلى عائلة مصطنعة تمنحه الوجاهة، يتضح في النهاية باعتباره ابن رضوان بك صاحب العزبة؛ فتتحول لعبة النسب المصنوع إلى نسب حقيقي كان مختبئًا طوال الحكاية.
وهكذا لا يبدو «فتى أحلامي» نسخة مصرية من مسرحية أجنبية بقدر ما يبدو إعادة تقديم لفكرتها داخل ثقافة أخرى. فالاسم تحول إلى صوت، والأرستقراطية الفيكتورية تحولت إلى وجاهة اجتماعية مصرية، ودخلت الأغنية والنجومية إلى قلب الحكاية، بينما ظل سؤال وايلد قائمًا؛ هل نحب الناس كما هم، أم نحب الصور التي نصنعها لهم؟
وربما لهذا ما زالت اللعبة حية حتى اليوم؛ فنحن نسمع صوتًا، أو نرى صورة، أو نعرف اسمًا، ثم نكمل بقية الحكاية من عندنا. 
وفي النهاية، بين اسم أحبته جويندولين وصوت أحبته سهام، ظل فتى الأحلام واحدًا؛ رجل سبقه الخيال إلى قلب حبيبته.