مع بداية فصل الخريف، تتزايد تساؤلات المواطنين حول طبيعة الحالة الجوية، وما إذا كان هذا الموسم سيحمل نوات مناخية استثنائية أو تقلبات أكثر حدة مقارنة بالأعوام الماضية؛ وفي هذا السياق، كشفت الهيئة العامة للأرصاد الجوية عن تفاصيل توقعاتها للطقس خلال المرحلة المقبلة، موجّهة حزمة من التحذيرات العاجلة إلى مرتادي الشواطئ وسائقي السيارات على الطرق السريعة للتعامل مع الظواهر الجوية المتوقعة، تجنبًا لأي مخاطر ناجمة عن نشاط الرياح أو تدني مستويات الرؤية.
ويعود مصطلح "النوات" إلى الواجهة في المدن الساحلية ، مع دخول فصل الخريف، إلا أن ما يعرف شعبيا بهذا الاسم لا يمثل ظاهرة جوية مستقلة في علم الأرصاد وإنما هو وصف متوارث لفترات من الطقس غير المستقر ترتبط برياح قوية وأمطار واضطراب في حركة البحر وارتفاع الأمواج.
حقيقة نوات الخريف
وبينما ارتبطت النوات قديما بأسماء ومواعيد متداولة بين الصيادين والبحارة ، يعتمد علم الأرصاد في تفسير هذه الحالات على المنخفضات الجوية والكتل الهوائية والجبهات وأنظمة الرياح؛ مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول حقيقة النوات ومدى ارتباطها بمواعيد ثابتة والفروق بين حالات عدم الاستقرار في الخريف والشتاء، وإمكانية التنبؤ بتأثيراتها على البحر والأمطار والملاحة.

وأجرت وكالة أنباء الشرق الأوسط حوارا مع الدكتورة إيمان شاكر مدير مركز الاستشعار عن بعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية اليوم الثلاثاء حول ما هية النوات وحقيقتها من منظور علم الأرصاد وما إذا كانت تمثل ظواهر جوية مستقلة أم مجرد تسمية شعبية لحالات من عدم الاستقرار الجوي.
تعبير شعبي متداول
وعرّفت الدكتورة إيمان شاكر النوة بأنها ليست مصطلحا أرصاديا علميا وإنما تعبير شعبي متداول في المناطق الساحلية المصرية خاصة الإسكندرية وضعه الصيادون لوصف فترات الطقس غير المستقر.. مشيرة إلى أن البحارة كانوا يحددون مواعيدها لمعرفة حالة البحر وإمكانية الصيد والإبحار.
وقالت: "أما من الناحية العلمية ، فنحن نتعامل مع منخفضات جوية وجبهات وكتل هوائية وأنظمة رياح وأمطار ، وقد تستمر حالات الطقس غير المستقر عدة ساعات أو أيام".. موضحة أن خصائص الحالات الجوية في الخريف تختلف عن الشتاء ؛ ففي الخريف يكون البحر المتوسط مازال دافئا نسبيا، ومع دخول كتل هوائية أبرد في طبقات الجو العليا يمكن أن يزداد عدم الاستقرار، بما يهيئ لظهور سحب رعدية وأمطار غزيرة محليا أما الشتاء فتزداد فيه فرص المنخفضات الجوية والجبهات.
وعن مواعيد نوات الخريف ؟، أجابت شاكر بأنه لا يوجد موعد علمي ثابت لبداية النوات لكن وفقا للمواعيد التي حددها الصيادون قديما ، فهي تبدأ بنوة "المكنسة" وذلك في منتصف نوفمبر وتنتهي بنوة "العوة" في مارس ويبلغ عددها نحو 14 نوة ، أما علميا فحدوث الحالة الجوية يعتمد على تطور المنظومة الجوية وليس على التقويم والأسماء المتداولة مثل (الصليبية) و(المكنسة) أسماء شعبية وليست تصنيفا رسميا للمنخفضات الجوية.
وقالت: "إننا في الهيئة العامة للأرصاد الجوية نتابع الخرائط العددية والتنبؤات الجوية لتحديد موعد الحالة وشدتها والأمطار والرياح وارتفاع الأمواج".. منوهة بأن محافظة مطروح شهدت خلال الأيام الماضية أمطارا غزيرة ورعدية أدت إلى جريان الأودية وامتلاء الآبار والوديان ، لكن ذلك لا يعني بالضرورة زيادة عدد النوات أو شدتها، لأن حدوث الحالات الجوية يرتبط بتوافر عوامل جوية محددة.
وحول العوامل الجوية التي تؤدي إلى تكوّن النوات؟.. أفادت شاكر بأنها تختلف من حالة إلى أخرى، وأهمها وجود منخفض جوي، ودخول كتلة هوائية باردة نسبيا في طبقات الجو العليا، مع وجود هواء دافئ ورطب بالقرب من سطح البحر، وارتفاع درجة حرارة سطح البحر، وتوافر حالة من عدم الاستقرار الجوي.. مشيرة إلى أن التيارات الصاعدة تساعد على تكوين السحب الركامية، وقد تسهم الجبهات الهوائية في نشاط الرياح وسقوط الأمطار.
الفرق بين النوة والمنخفض الجوي
وعن الفرق بين النوة والمنخفض الجوي؟.. أجابت الدكتورة إيمان شاكر بأن المنخفض الجوي نظام جوي محدد علميا يتميز بانخفاض الضغط الجوي نسبيا ويمكن تحليل خصائصه وحركته باستخدام الخرائط والنماذج العددية ، أما النوة فهي تسمية شعبية لفترة من الطقس غير المستقر، وقد تكون مرتبطة بمنخفض جوي أو جبهة هوائية أو حالة من عدم الاستقرار ، لذلك ليس صحيحا أن كل نوة منخفض جوي، أو أن كل منخفض جوي نوة.
وحول أبرز الظواهر المصاحبة للنوات وأي المناطق تكون الأكثر تأثرا؟ .. قالت مدير مركز الاستشعار عن بعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية: إنها يمكن أن تشمل سقوط أمطار متفاوتة الشدة ورعدا وبرقا، ونشاطا للرياح، وانخفاضا للرؤية، واضطرابا للبحر وارتفاعا للأمواج، وقد تشهد بعض الحالات أمطارا غزيرة خلال فترة قصيرة فيما تكون المناطق الساحلية المطلة على البحر المتوسط أكثر تأثرا باضطراب البحر والرياح.

وعن تأثيرات النوات على البحر وارتفاع الأمواج وحركة الملاحة؟ .. أجابت شاكر: "عندما تزداد سرعة الرياح فوق البحر، تنتقل طاقتها إلى سطح المياه ؛ مما يؤدي إلى زيادة ارتفاع الأمواج واضطراب البحر، وتزداد الخطورة مع استمرار الرياح أو ملاءمة اتجاهها لتكوين أمواج مرتفعة".. مشيرة إلى أن التحذيرات البحرية تصدر بناء على عدة عناصر منها سرعة واتجاه الرياح، وارتفاع الموج، والفترة الزمنية للموج، وحالة البحر واتجاه حركة الموج.
وأشارت إلى أن بعض الحالات الجوية المرتبطة بالنوات يمكن أن تنتج أمطارا غزيرة لكن ليس كل نوة تؤدي إلى سيول إلا أن الخطورة تزداد مع ارتفاع شدة المطر خلال فترة قصيرة، واستمرار الهطول، وطبيعة المنطقة وقدرتها على تصريف المياه، ووجود مناطق منخفضة أو تضاريس تساعد على جريان المياه.
التنبؤ بالنوة مسبقا
وردا على سؤال إلى أي مدى يمكن التنبؤ بالنوة مسبقا وتحديد شدتها ومدتها؟.. أكدت شاكر أنه يمكن التنبؤ بالمنخفضات الجوية والحالات غير المستقرة قبل حدوثها بعدة أيام بدرجات متفاوتة من الثقة، لكن دقة التنبؤ تختلف حسب نوع الظاهرة.
أما النوات فهي مواعيد ثابتة وفق الموروث الشعبي، وليس من الضروري أن تتزامن معها حالات غير مستقرة أو أمطار غزيرة، كما قد تحدث حالات شديدة في مواعيد بعيدة تماما عن مواعيد النوات ؛ لذلك فإن الاعتماد على موعد النوة واسمها لتوقع حالة الطقس ليس دقيقا علميا.
وأشارت مدير مركز الاستشعار عن بعد إلى أن الهيئة العامة للأرصاد الجوية تقوم بتحديث التنبؤات كلما اقترب موعد الحالة باستخدام النماذج العددية والرصدات الأرضية والأقمار الصناعية والرادارات.
وعما إذا كانت قد أثرت التغيرات المناخية على توقيت النوات أو شدتها وانتظامها ؟ .. أجابت شاكر : لا يمكن القول إن التغير المناخي جعل كل النوات أقوى أو غيّر مواعيدها بصورة ثابتة، فالنوات ظواهر جوية محلية وتتأثر بعوامل عديدة ، لكن ارتفاع درجات حرارة الغلاف الجوي والبحار يزيد قدرة الهواء الدافئ على الاحتفاظ ببخار الماء، وهو ما قد يزيد فرص الهطول الشديد في بعض الظروف، وقد يؤدي إلى حالات متطرفة من الأمطار الغزيرة خلال فترات قصيرة.
وردا على سؤال هل يمكن أن يشهد خريف هذا العام نوات استثنائية؟ وما النصائح التي يجب اتباعها؟ .. أجابت شاكر بأنه لا يمكن الجزم بأن خريف 2026 سيشهد نوات استثنائية اعتمادا على المؤشرات الموسمية وحدها ، حيث تشير التنبؤات الفصلية إلى احتمالية ارتفاع معدلات الأمطار عن المعدلات الطبيعية خاصة على شمال البلاد ومنطقة البحر الأحمر وسيناء، لكن لا يمكن تحديد مواعيد حالات الطقس غير المستقر طوال شهور الخريف.
وقالت : يمكن مع اقتراب الحالة ، من خلال خرائط الطقس ومخرجات النماذج العددية، تحديد شدتها والعوامل المصاحبة لها قبلها بنحو أسبوع على الأكثر، بينما يساعد التنبؤ الفصلي الجهات التنفيذية على الاستعداد لموسم الأمطار والسيول وتطهير مخرات السيول ومصارف الأمطار.
وأضافت: عند صدور تحذير جوي، يجب متابعة البيانات الرسمية لهيئة الأرصاد الجوية، وعدم الاعتماد على أسماء النوات لتحديد شدة الحالة، مع التزام الصيادين والمراكب بتعليمات الجهات المختصة، وتجنب الاقتراب من الشواطئ أثناء اضطراب البحر، والقيادة بحذر أثناء الأمطار وانخفاض الرؤية، والابتعاد عن أماكن تجمع المياه ومناطق تصريف السيول.
وفي الختام .. تظل النوة جزءا من الموروث الشعبي الساحلي، لكن الطقس لا يخضع لمواعيدها أو لأسمائها وإنما للمنظومات الجوية وتطوراتها ، ومع تقلبات الخريف والشتاء تبقى متابعة التنبؤات الرسمية هي الأدق لمعرفة موعد الحالات الجوية وشدتها وتأثيراتها.


