نعتقد أن الإنسان حين يجد الأمان مع شخص يحبه، سيطمئن إليه تلقائيًا، وسيقترب منه دون تردد. لكن في بعض الأحيان الواقع يختلف تماما عن ذلك؛ فالأمان الذي نحلم به طويلًا قد يصبح، عندما نجده، أكثر الأشياء التي تربكنا.
لأننا لا نخاف دائمًا من الشخص الذي يؤذينا… أحيانًا نخاف من الشخص الذي لا يؤذينا.
الرجل الذي اعتاد أن يكون متماسكًا أمام الآخرين، وأن يخفي ضعفه خلف صمته وانشغاله وقدرته على السيطرة على تفاصيل حياته، قد يجد نفسه مرتبكًا أمام امرأة يشعر معها أنه يستطيع أن يكون على طبيعته. المشكلة ليست فيها، وإنما في المساحة التي صنعتها داخله؛ مساحة لم يعد مضطرًا فيها لأن يبدو أقوى مما يشعر.
وهذا النوع من القرب قد يكون مخيفًا للرجل؛ لأن الحب الآمن لا يطلب منه بطولة مستمرة، بل يسمح له بأن يكون إنسانًا. أن يقول: تعبت، أخطأت، خفت، احتجتك… دون أن يشعر أن اعترافه ينتقص من قيمته.
وفي الجهة الأخرى، قد تخاف المرأة من الرجل الذي تشعر معه بالأمان للسبب نفسه تقريبًا، وإن اختلفت الصورة. المرأة التي اعتادت أن تراقب التفاصيل، وتقرأ التغيرات في نبرة الصوت، وتبحث عن معنى وراء الصمت، قد تشعر بالارتباك عندما تقابل رجلًا لا يجعلها في حالة ترقب دائم.
هي تعرف كيف تتعامل مع القلق، لكنها قد لا تعرف كيف تتعامل مع الطمأنينة.
فالقلق يمنح العقل مهمة مستمرة: هل يحبني؟ لماذا تغير؟ لماذا تأخر؟ هل ما زال متمسكًا بي؟ أما الأمان فيسحب كل هذه الأسئلة من الساحة، ويترك الإنسان أمام سؤال أكثر عمقًا: ماذا سأفعل بهذا الحب إذا لم أعد مضطرة إلى الخوف من فقدانه؟
وهنا تظهر مفارقة غريبة في العلاقات: بعض الناس لا يهربون من الشخص السيئ لأنهم لا يعرفون أنه سيئ، بل يهربون أحيانًا من الشخص الجيد لأن قربه يكشف لهم شيئًا لم يتعلموا التعامل معه.
يكشف هشاشتهم.
يكشف احتياجهم.
يكشف أنهم يستطيعون أن يحبوا دون معركة، وأن يُحَبوا دون أن يدفعوا ثمنًا نفسيًا لذلك.
والرجل أيضًا قد يحمل داخله خوفًا من هذا النوع من الحب. فقد تربى بعض الرجال على أن قيمتهم تأتي من قدرتهم على التحمل والعطاء والحماية، فيصبح من الصعب عليهم أن يعيشوا علاقة لا يحتاجون فيها دائمًا إلى إثبات شيء.
حين تكون المرأة آمنة بالنسبة له، لا يعود مضطرًا إلى لعب دور الرجل الذي لا يتعب ولا يتردد ولا يحتاج. وهنا قد يبدأ صراع داخلي صامت: هل ستظل تراني كما أنا إذا رأت ضعفي؟
أما المرأة، فقد تحمل خوفًا مختلفًا: هل يمكن أن أثق بهذا الأمان فعلًا؟ هل سيبقى؟ هل أنا أستحقه؟ هل ستتغير الأمور عندما أطمئن تمامًا؟
ولهذا قد نجد امرأة تتمنى رجلًا يمنحها الاستقرار، ثم عندما تجده تبدأ في اختباره، ورجلًا يتمنى امرأة تمنحه الراحة، ثم عندما يجدها يبدأ في الابتعاد قليلًا.
ليس لأن الحب لم يعد موجودًا، وإنما لأن الأمان أحيانًا يضع الإنسان أمام منطقة نفسية لم يعتدها.
نحن نعرف كيف نحمي أنفسنا عندما نتوقع الألم، لكننا لا نعرف دائمًا كيف نفتح أبوابنا عندما نشعر أننا لن نتأذى.
والأكثر عمقًا أن الإنسان قد يخلط بين الإثارة العاطفية والحب. فالعلاقة التي تحمل قدرًا من الغموض والاقتراب والابتعاد قد تنتج مشاعر قوية جدًا، فيظن القلب أن شدة الإحساس دليل على عمق الحب.
ثم يأتي شخص هادئ، واضح، حاضر، فلا تحدث داخله العاصفة نفسها.
فيقول: لا أشعر بشيء.
بينما الحقيقة قد تكون أنه يشعر بشيء مختلف تمامًا.
إنه يشعر بالسلام.
والسلام لا يرفع نبض القلب بالطريقة نفسها التي يفعلها الخوف.
الرجل قد يشتاق إلى امرأة تقلقه لأنه اعتاد أن يربط السعي بالحب، والمرأة قد تتعلق برجل يجعلها في حالة انتظار لأنها اعتادت أن تقرأ القرب من خلال صعوبة الوصول.
وفي الحالتين، يصبح الأمان غريبًا لا لأنه ناقص، وإنما لأنه جديد.
لكن هناك فرقًا مهمًا بين الأمان الحقيقي والأمان الوهمي.
الأمان ليس أن يكون الطرف الآخر موجودًا طوال الوقت، ولا أن تختفي الخلافات، ولا أن يصبح الحب ضمانًا أبديًا لعدم الفقد. الأمان النفسي أعمق من ذلك؛ هو أن يعرف كل طرف أنه يستطيع أن يكون نفسه دون أن يفقد قيمته في عين الآخر.
أن يختلف دون تهديد.
أن يخطئ دون إذلال.
أن يضعف دون أن يتحول ضعفه إلى سلاح ضده.
أن يقول "أنا خائف" دون أن يسمع: "إذًا أنت ضعيف".
وهنا يتساوى الرجل والمرأة في الاحتياج، حتى لو اختلفت طريقة التعبير.
كلاهما يريد أن يحب دون أن يعيش في حالة دفاع.
كلاهما يريد أن يشعر أن قلبه ليس في محكمة، وأن كل كلمة لن تُستخدم لاحقًا كدليل إدانة.
وربما لهذا السبب تحديدًا يكون الحب الآمن عميقًا إلى هذا الحد؛ لأنه لا يطلب منك أن ترتدي أفضل نسخة منك طوال الوقت، بل يسمح لك أن تظهر بنسختك الإنسانية.
واخيرا قد لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا نخاف من الشخص الذي نشعر معه بالأمان؟
ربما السؤال الأصدق هو: لماذا تعودنا أن نعتبر الحب الحقيقي هو الحب الذي يجعلنا نخاف؟
فالحب الناضج لا يعني أن القلب لا يرتجف، وإنما يعني أنه لا يعيش مرتجفًا.
وقد يكون أجمل ما يمنحه إنسان لإنسان آخر ليس أن يجعله يشعر بأنه لا يستطيع العيش بدونه، بل أن يجعله يشعر أنه يستطيع أن يعيش مطمئنًا إلى جواره.
لأن هناك فرقًا كبيرًا بين شخص يشعل قلبك بالخوف من فقده، وشخص يضيء قلبك لأنك لم تعد تخاف من فقد نفسك وأنت تحبه.