قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عبد القوى يكتب: الحلم الذي عبر الشارع

احمد عبد القوى
احمد عبد القوى

كنت أتحدث مع صديق عزيز، فحدثني عن تجربة مرّ بها أثناء إقامته في إحدى الدول الأوروبية. استوقفتني حكايته، وظللت أفكر فيما ذكره طويلًا، حتى وجدتني أمسك بالقلم والورق، وأبدأ في كتابة هذا المقال.. شعرت بأن الموقف يستحق أن يُروى، لأنه يفتح نافذة على قيمة نعيش معها كل يوم، وربما لا ندرك جمالها إلا حين نراها في عيون الآخرين.

حكى لي صديقي أن سيدة كبيرة في السن كانت جارته هناك، وأن علاقته بها كانت تقوم على الود والاحترام.. وفي أحد الأيام، التقيا مصادفة عند عبور الشارع.. وحين سمحت إشارة المرور للمشاة بالعبور، غيّر موقعه، وانتقل إلى الجانب الأقرب لحركة السيارات، وجعلها تسير إلى جواره في الجانب الآخر.

كانت حركة تلقائية، فعلها كما اعتاد أن يفعل في مصر.. لم ينتظر منها تعليقًا، ولم يتصور أن الأمر يستدعي سؤالًا.. لكنه فوجئ بها، بعد وصولهما إلى الرصيف المقابل، تسأله عن سبب تغيير مكانه.

شرح لها أنه أراد أن يكون في الناحية التي قد يأتي منها خطر مفاجئ، إذا أخطأ سائق أو تحركت سيارة على نحو غير متوقع.. لكنها عادت تسأله: لماذا فعل ذلك من أجلها؟

حدثها عن عادة تربى عليها، وعن حرص الرجل، في عاداتنا المصرية، على المرأة التي ترافقه،سواء كانت امه او زوجته او بنته او امراة يعرفها  ومراعاتها والاهتمام بسلامتها.. وحاول أن يشرح لها ذلك الإحساس الذي يدفع الإنسان إلى اتخاذ موضع يحمي به من يسير إلى جواره، حتى لو كان احتمال الخطر بعيدًا.

هنا أخذ الحديث منحى لم يتوقعه.

قالت له، بمعنى ما روى لي، إن هذا الاهتمام الذي استغربته في البداية يمثل حلمًا تتمنى المرأة أن تجده فى كثير من دول العالم  أن يكون بجوارها رجل ينتبه إليها، ويحرص عليها، ويسأل عنها، كما تتصور اهتمام الرجل الشرقي بزوجته وابنته.

توقفت طويلًا أمام كلماتها.. كانت سيدة تحكي عن إحساسها وتجربتها،وان مثل هذا النوع من الاهتمام غير موجود بشكل واسع كما استشعرته بحكاوى صديقى المصرى الصعيدى الجدع  لكنها جعلتني أعيد النظر في تفاصيل كثيرة اعتدناها، حتى أصبحت تمر أمامنا دون أن نمنحها ما تستحقه من تقدير.

كم مرة سمعنا أبًا يسأل ابنته: هل وصلتِ؟ وكم زوجًا انتظر رسالة من زوجته ليطمئن إلى سلامتها؟ وكم أخًا خرج ليصطحب أخته حين تأخرت، أو عرض عليها أن يرافقها في طريق طويل؟

انها مصر يا سادة .. وانهم المصريون يا سادة .. بعادتهم المبهرة للجميع البسيطةلكن بداخلها الف معنى .

وهذا، في تقديري، ما منح حركة صديقيالبسيطة والتلقائية  معناها.. لقد انتبه إلى جارته وتحرك خطوة من أجلها.. سبق فعله كلامه، ووصل اهتمامه إليها قبل أن يتمكن من شرح العادة التي تربى عليها.

نملك في تربيتنا رصيدًا يستحق أن نحافظ عليه: احترام الكبير، ومساندة من يحتاج إلى العون، ومراعاة المرأة، والاطمئنان على الغائب، والوقوف إلى جوار أهلنا وأصدقائنا.. وتبقى هذه القيم حية حين تتحول إلى أفعال يراها أبناؤنا، ويتعلمونها من سلوكنا اليومي.

انتهى حديثي مع صديقي، وبقيت الحكاية معي.. ظللت أتصور تلك السيدة وهي تسأله عن حركة رآها هو عادية، بينما رأت فيها هي اهتمامًا كانت تتمناه.

عندها أدركت أن بعض عاداتنا الجميلة تستحق منا أن نتمسك بها بوعي ومحبة؛ فقد تكون الخطوة التي نخطوها تلقائيًا إلى جوار إنسان، هي نفسها الخطوة التي انتظرها طويلًا، ورآها بحجم حلم.