تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية العريقة، فقد تبارت خلالها مختلف التشكيلات والقيادات في أداء دورها ضمن ملحمة صنعت نصرا مبينا، دفع فيه المصريون أثمانا غالية من دمائهم الطاهرة، من أجل استرداد جزء غالٍ وعزيز من أرض الوطن، وهي سيناء.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية خاضتها مصر وحققت خلالها أحد أعظم انتصاراتها، وإنما كانت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الشعب المصري على تحويل الحلم إلى حقيقة؛ إذ تحدى الجيش المصري المستحيل وقهره، وأثبت قدرته على تحقيق النصر في واحدة من أصعب اللحظات التي يمكن أن تمر بها أي أمة.
وتحل ذكرى نصر السادس من أكتوبر عام 1973، لتظل الحرب واحدة من أبرز المحطات الخالدة في وجدان الشعب المصري والضمير العربي. فقد رفع جيل أكتوبر راية الوطن على أرضه، وأعاد إلى العسكرية المصرية الثقة والكبرياء، وأثبت أن الإرادة الوطنية قادرة على تجاوز أصعب التحديات.
السادات.. قائد قرار العبور
تحمل الرئيس الراحل محمد أنور السادات مسؤولية تاريخية ثقيلة، ووضع مصلحة مصر وشعبها في مقدمة أولوياته، وقاد البلاد خلال مرحلة بالغة التعقيد انتهت بعبور القوات المسلحة قناة السويس وبدء استعادة الأراضي المصرية المحتلة.
نشأة محمد أنور السادات
ولد محمد أنور السادات في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1918، لأب مصري وأم من ذوي الأصول السودانية، في قرية ميت أبو الكوم بمحافظة المنوفية، وبدأ تعليمه في كتاب القرية، ومكث فيه ست سنوات، استطاع خلالها أن يحفظ القرآن الكريم بأجزائه الثلاثين.
ومن الكتاب انتقل إلى مدرسة الأقباط الابتدائية بقرية طوخ دلكا المجاورة لقريته، حيث لم تكن في قريته آنذاك مدارس للتعليم الابتدائي، وحصل منها على الشهادة الابتدائية.
ثم انتقل السادات إلى القاهرة بعد عودة والده من السودان، عقب مقتل السردار الإنجليزي “سير لي ستاك”، قائد الجيش المصري والحاكم العام للسودان، وكان من بين العقوبات التي فرضتها بريطانيا على مصر عودة الجيش المصري من السودان، فعاد معه والد السادات، الذي كان يعمل كاتبا بالمستشفى العسكري.
والتحق السادات بعدد من مدارس القاهرة، منها مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية بالزيتون، ثم مدرسة السلطان حسين بمصر الجديدة، فمدرسة فؤاد الأول الثانوية، ثم مدرسة رقي المعارف بشبرا، وحصل منها على الشهادة الثانوية.
الالتحاق بالكلية الحربية وتأسيس الضباط الأحرار
في عام 1936، أبرم مصطفى النحاس باشا، رئيس وزراء مصر الأسبق، معاهدة 1936 مع بريطانيا، التي سمحت بزيادة أعداد الجيش المصري استعدادا لاحتمالات الحرب العالمية الثانية، وهو ما أتاح لأبناء الطبقة المتوسطة فرصة الالتحاق بالكلية الحربية والانضمام إلى صفوف الجيش.
وعلى إثر ذلك، التحق محمد أنور السادات بالكلية الحربية، إلى جانب جمال عبد الناصر وعدد من رموز ثورة يوليو.
وفور تخرجه، ألحق السادات بسلاح المشاة في الإسكندرية، وفي العام نفسه نقل إلى "منقباد" في صعيد مصر ضمن مجموعة من الضباط الشبان، وهناك التقى للمرة الأولى بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
كما شارك السادات وعشرة من الضباط في تأسيس جمعية سرية ذات توجه ثوري، كان هدفها الأساسي تحرير البلاد، لتبدأ بذلك إحدى النواة المبكرة لتنظيم الضباط الأحرار في معسكر "تباب شريف" بمنطقة منقباد، حيث جمعت الضباط زمالة العمل والسخط على الاحتلال البريطاني.
اتهام السادات في قضية أمين عثمان
في عام 1946، اغتيل أمين عثمان باشا، وزير المالية الأسبق، واتهم في القضية عشرون شابا، كان من بينهم محمد أنور السادات، الذي حمل رقم 7 في قائمة اتهام النيابة، ووجهت إليه تهمة الاشتراك في مقتل أمين عثمان، وبعد قضائه 31 شهرا في السجن، صدر الحكم ببراءته.
العودة إلى الجيش
حدثت نقطة تحول مهمة في مسيرة السادات عندما تمكن، عن طريق صديق قديم له يدعى يوسف رشاد، وهو ضابط طبيب أصبح من الأطباء الخاصين بالملك فاروق، من العودة إلى الجيش في الخامس عشر من يناير عام 1950، بالرتبة نفسها التي خرج بها، وهي رتبة "يوزباشي"، رغم أن زملاءه في الرتبة كانوا قد سبقوه إلى رتبتي الصاغ والبكباشي.
ورقي السادات إلى رتبة الصاغ عام 1950، ثم إلى رتبة البكباشي عام 1951، وفي العام نفسه اختاره عبد الناصر عضوا في الهيئة التأسيسية لحركة الضباط الأحرار.
إلقاء بيان ثورة يوليو 1952
شارك السادات في ثورة يوليو، وكان صاحب الصوت الذي أعلن بيانها الأول، ففي الساعة السابعة والنصف صباح يوم 23 يوليو 1952، استمع العالم إلى صوت البكباشي محمد أنور السادات عبر الإذاعة المصرية من القاهرة، معلنًا البيان الأول للثورة.
كما حمل، برفقة اللواء محمد نجيب، إلى الإسكندرية، الإنذار الذي وجهه الجيش إلى الملك للتنازل عن العرش.
السادات بعد ثورة يوليو
خلال السنوات التي سبقت توليه رئاسة الجمهورية، شغل أنور السادات عددا من المناصب، من بينها عضوية محكمة الثورة عام 1954، ثم تولى في أواخر العام نفسه منصب سكرتير عام المؤتمر الإسلامي.
وفي عام 1955، شارك في تأسيس جريدة الجمهورية وتولى رئاسة تحريرها، كما أصبح أول أمين عام للاتحاد القومي، وهي المنظمة التي سبقت تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي عام 1957.
وتولى كذلك رئاسة مجلس الأمة لمدة ثماني سنوات، وأسند إليه الملف السياسي لحرب اليمن، قبل أن يعين نائبا لرئيس الجمهورية عام 1969، وظل في هذا المنصب حتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر.
تولي السادات رئاسة مصر
تولى الرئيس الراحل محمد أنور السادات حكم مصر عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970، وأجري الاستفتاء على رئاسته في الخامس عشر من أكتوبر من العام نفسه، وتولى مهام منصبه رسميا في السابع عشر من أكتوبر 1970.
ومنذ بداية عهده، اتخذ عددا من الإجراءات التي استهدفت التخفيف عن المواطنين، من بينها خفض أسعار بعض السلع ذات الاستهلاك المرتفع، والاهتمام بوسائل النقل والمواصلات، إلى جانب رفع الرقابة عن الكتب الواردة من الخارج، والإفراج عن عدد من المثقفين ذوي الميول اليسارية.
كما أولى اهتمامًا بملف تنمية الريف وإدخال الكهرباء إلى القرى المصرية، وهو مشروع نفذ بمساعدة فنية من الاتحاد السوفيتي، وأسهم في توسيع نطاق استخدام الطاقة الكهربائية في القرى والمناطق الريفية.
التوجيه الاستراتيجي لحرب أكتوبر
في الخامس من أكتوبر عام 1973، أصدر الرئيس الراحل محمد أنور السادات، رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، التوجيه الاستراتيجي إلى الفريق أول أحمد إسماعيل، وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، محددا المهام الاستراتيجية للقوات المسلحة.
وقال السادات في التوجيه الاستراتيجي:
بناء على التوجيه السياسي العسكري الصادر لكم مني في أول أكتوبر 1973، وبناء على الظروف المحيطة بالموقف السياسي والاستراتيجي، قررت تكليف القوات المسلحة بتنفيذ المهام الاستراتيجية الآتية:
1- إزالة الجمود العسكري الحالي بكسر وقف إطلاق النار اعتبارا من يوم 6 أكتوبر 1973.
2- تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة في الأفراد والأسلحة والمعدات.
3- العمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانيات وقدرات القوات المسلحة.
وتنفذ هذه المهام بواسطة القوات المسلحة المصرية منفردة أو بالتعاون مع القوات المسلحة السورية.




