قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

علي جمعة: بالرفق تحيا القلوب وبالقسوة ينتشر العنف ويفسد الخلق

علي جمعة
علي جمعة

قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الرفق صفة جمال من صفات ربنا سبحانه وتعالى، أخبر بذلك النبي ﷺ وهو يعلِّم السيدة عائشة رضي الله عنها، ويحثُّها على التخلُّق بها؛ فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» [رواه مسلم].

الرفق واللين من أخلاق المصطفى ﷺ

واصاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن الرفق واللين من أخلاق المصطفى ﷺ؛ فأثبت ربنا له أنه على خُلُقٍ عظيم، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ونفى ربنا عنه ﷺ فظاظة القلب، فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.

وبشَّر النبي ﷺ الرفيقَ الليِّنَ السهلَ بالنجاة من النار، فقال ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ» [رواه الترمذي].

وحتى في التوغُّل في الدين، والاستزادة منه، جاء الحثُّ على الرفق؛ فقد رُوي عن رسول الله ﷺ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ» [رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان].

وقال ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» [رواه البخاري].

والرفق هو ثمرة حسن الخُلُق، وأمَّا العنف فهو ثمرة الغضب والفظاظة والحرص.

ويؤكد هذا المعنى الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله، حيث يقول: «اعلم أن الرفق محمود، ويضاده العنف والحدة، والعنف نتيجة الغضب والفظاظة، والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة، وقد يكون سبب الحدة الغضب، وقد يكون سببها شدة الحرص واستيلاؤه، بحيث يدهش عن التفكر ويمنع من التثبت؛ فالرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق، ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة، وحفظهما على حد الاعتدال، ولأجل هذا أثنى رسول الله ﷺ على الرفق وبالغ فيه» [إحياء علوم الدين].

أمَّا مَن نُزع الرفق من قلبه فهو مذموم منبوذ، يقول النبي ﷺ: «أَهْلُ النَّارِ كُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ» [أخرجه الحاكم في المستدرك].

وعنه ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ، سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ، حِمَارٍ بِالنَّهَارِ، عَالِمٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، جَاهِلٍ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ» [رواه ابن حبان].

فانظر إلى اختيار النبي ﷺ، وهو أفصح العرب، لهذه الكلمات الصعبة؛ لتناسب نفرةُ السمع من هذه الألفاظ نفرةَ النفس من معانيها. ألفاظٌ صعبة غير مألوفة لعقول الناس، تستدعي منك أن تسأل: وما الجواظ؟ وما الجعظري؟

فالجواظ هو الجمَّاع المنَّاع؛ الذي جمع مالًا وعدَّده، ولا يريد أن ينفق شيئًا منه في سبيل الله، ولا يريد أن يُخرج حتى حقَّ الله فيه من الزكاة، وبذلك يكون عنيفًا مع مجتمعه؛ فالعنف ليس قاصرًا على القوة والهمجية السلوكية، فعدم الاكتراث بالآخرين يدل على عنف الطبع.

والجعظري قاسي القلب الذي لا يرحم، ولذا فهو حقيقٌ ألَّا يرحمه الله سبحانه وتعالى.

قال رسول الله ﷺ: «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ».

فهو شقيٌّ بنزع الرحمة من قلبه، قال النبي ﷺ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» [رواه أحمد في مسنده].

فهذا الصنف القبيح لا يُطلب عنده المعروف، وإنما يُطلب المعروف من الرحماء؛ ولذا رُوي عن النبي ﷺ: «اطْلُبُوا الْمَعْرُوفَ مِنْ رُحَمَاءِ أُمَّتِي تَعِيشُوا فِي أَكْنَافِهِمْ، وَلَا تَطْلُبُوهُ مِنَ الْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ. يَا عَلِيُّ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمَعْرُوفَ، وَخَلَقَ لَهُ أَهْلًا، فَحَبَّبَهُ إِلَيْهِمْ، وَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ فِعَالَهُ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ طُلَّابَهُ، كَمَا وَجَّهَ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجَدْبَةِ لِيُحْيِيَ بِهِ أَهْلَهَا، وَإِنَّ أَهْلَ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ» [رواه الحاكم في المستدرك].

فالجعظري يتصف بنوعٍ من العنف والقسوة؛ ولذا، لما ترك الناس تعلُّم السنة ومعرفة الأخلاق الفاضلة التي حثَّ عليها الشرع الحنيف، انتشرت الجعظرية، ووجدنا الناس يتقاتلون، ووجدنا وجوههم مكفهرةً لا نور فيها، ووجدنا التطرف يخرج باسم الدين، ووجدنا الإرجاف يهدم ما يبنيه المخلصون.

وحسبنا الله ونعم الوكيل، سيغنينا الله من فضله ورسوله.