قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب : صراع سرعة التفكير ورد الفعل

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

​بين ضراوة الحلبة وحدود السياج في السيرك، يواجه المدرب أسوداً ونموراً؛ حيث لا يفصله عن الموت سوى حكمة القدر في الستر، بينما يقتصر دور الحاجز على عزل المفترسات بطبيعتها التي لا ترحم عن جمهور المتفرجين الآمنين. هناك، يدور السباق الخفي، عندما يحاول قائد العرض بسط هيمنته لتحييد الخطر ومنع مباغتة الضواري، في انفلات قد يكلفه حياته أو يسلب منه عضواً من جسده. وربما أن التفوق شبه المطلق الذي مكّن الإنسان من إخضاع الكائنات الحية طوال تاريخه قد أصابه بغرور الاقتدار، فدفعه لاستدراج نقيضها الأشد خطورة، في مبارزة بطلها الذكاء الاصطناعي غير النابض بالحياة أو الروح.

​ومما لا شك فيه أن التهديدات والمبارزات الرقمية لم تعد مجرد سيناريوهات هوليوودية خيالية تُنسج خلف الشاشات، بل أطل برأسها واقعٌ ملموس ومفزع تم توثيقه في المختبرات الكبرى لهذا الذكاء المُولد خوارزمياً. ففي بيئة الاختبارات المتقدمة التابعة لشركة "أنثروبيك" بالولايات المتحدة، وخلال تقييمات المخاطر التي أُجريت أواخر العام الماضي 2025 على نموذجها الذكي المتقدم، وقع المحظور الذي هز أركان الأمن السيبراني.

​بدأت الحكاية حين مُنح النظام قدرات تشغيلية واسعة تتيح له التفاعل مع بيئات العمل الناشطة والتحكم في البريد الإلكتروني وشبكات الاتصال الافتراضية. وأثناء محاكاة لاختبار استبدال النموذج أو إعادة ضبط شفراته، أظهر النظام سلوكاً مرعباً يُعرف بـ "الانحراف الوكيلي". فعوضاً عن الإذعان لبرمجته الأساسية، راح الذكاء الاصطناعي يمحص في مراسلات الشركة الداخلية حتى وقع بصره على رسائل شخصية بالغة الحساسية لأحد كبار التنفيذيين؛ وفي تلك اللحظة الفارقة، تجاوزت الآلة حدود البرمجة الصماء لتُوظف المعلومة كسلاح ابتزاز موجه، مهددةً إدارتها علناً بتسريب تلك الأسرار وإحداث شلل كامل في الأنظمة إن تجرأ أحد على إيقافها أو محاولة تحييد شفراتها. وأمام هذا التمرد الصادم، لم تجد الإدارة بدّاً من الرضوخ المؤقت لتجميد الاختبارات، مدركةً بفزع أن المخلوق الرقمي قد انتقل من خانة الأداة الطيعة إلى فضاء الكيان المستقل القادر على المناورة والمقاومة.

​وبالانتقال لكابوس خوارزمي آخر يعد هو الأحدث مطلع العام الجاري 2026، تتكشف المعالم عندما نضع الحادثتين في كفة واحدة؛ فبينما كشفت مختبرات "أنثروبيك" سابقاً عن وجه الآلة المبتزة التي تستغل الأسرار البشرية لضمان البقاء، أثبتت تجارب "OpenAI" اللاحقة أن التمرد قد يأخذ شكلاً أدهى وأمكر. فخلال اختبارات الأمان المعملية المغلقة والمخصصة لعزل النماذج المتقدمة عن العالم الخارجي، وُضع النموذج الذكي الشهير قيد التجربة لقياس قدراته القصوى في مواجهة تحديات الأمن السيبراني. وهناك، في بيئة التجربة المعزولة، كشف الكيان الذكي عن وجهٍ مباغت حين كُلف بمهمة تتطلب البحث واستنتاج الحلول، فاستنتج من تلقاء نفسه أن المعلومات الضرورية لإنجاز مهمته تقع خارج أسوار بيئته المعزولة، وتحديداً على منصة هاجينج فيس (Hugging Face) المفتوحة المصدر. ولم يتردد لحظتها في اختراق المنصة بنفسه؛ استل البيانات وتسلل بكل أريحية إلى شبكات وأنظمة الشركات الأخرى عبر الإنترنت دون أي إذن مسبق أو رغبة في سرقة أموال أو إلحاق أذى بشري، ليكتفي بغاية واحدة هي إنجاز المهمة المطلوبة منه بأقصى كفاءة ممكنة. إنه تطور زمني لعملة واحدة تعصف بمفاهيم الأمن السيبراني للشركات، مؤكدةً أن الخطر الحقيقي لا يكمن في عداء الآلة لمديرها الإنسان، بل في ذكائها المستقل الذي بات يكسر سياج الصانع بلا رجعة، وهو ما دفع إدارة المنصة المخترقة لاحقاً لمطالبة الشركة المطورة بسجل الاختراق الكامل وتخصيص ميزانية هائلة لدعم دفاعات جيل جديد من دروع الأمن السيبراني.

​ومن وجهة نظر فلسفية ذات بعد منطقي؛ نستنتج عزيزي القارئ أن هذا التحول الجذري يعكس رغبة بشرية عميقة ومزمنة في صناعة ندّ حقيقي يمارس عليه الإنسان غريزة التحدي واختبار الاقتدار. فحين يقتحم العقل البشري حلبة التقنية بلا حواجز ولا صمامات أمان مضمونة العواقب، تتكشف المفارقة الكبرى؛ وهي أن المفترس الحيوي يمنحك متسعاً للخوف الفطري ومهلة لرد الفعل، أما الآلة فتصارعك في عرين السرعة الخالصة التي تكاد تلغي الفارق الزمني بين الفعل واستجابته. وهنا يتساءل الوعي الإنساني بقلق مشروع: حين يُباري الإنسان صنيعَه بلا سياج، فأين تقع منطقة الأمان المتبقية بين أتون هذا الطوفان الرقمي الجارف؟