لم تعد الثقافة مجرد كتاب يُقرأ أو عرض فني يُشاهد، بل أصبحت مساحة لمناقشة القضايا التي تمس حياة الناس وتشكّل وعيهم بالمستقبل. وبين مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتداعيات العنف الأسري والإدمان والتطرف، وقضايا الهوية وحقوق ذوي الهمم، تحولت قصور الثقافة بالمحافظات إلى منصات للحوار والتوعية، بالتوازي مع استعادة الفنون الشعبية والتراثية حضورها في الأنشطة الصيفية.
وشهد قصر ثقافة الشاطبي بالإسكندرية ندوة بعنوان "الذكاء الاصطناعي.. سلبيات وإيجابيات"، تناولت التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها المختلفة، بمشاركة الدكتور محمد أسامة، وإدارة اللواء الكاتب أسامة فرج ومنال عبد العزيز، وبحضور الفنان محمد شحاتة، مدير القصر، وعدد من المثقفين.
واستعرض الدكتور محمد أسامة أبرز مزايا الذكاء الاصطناعي، ومنها سرعة معالجة البيانات ودعم اتخاذ القرار، واستخدام الأنظمة الذكية في أداء المهام الخطرة والظروف القاسية، إلى جانب التطبيقات التي تساعد ذوي الهمم، خاصة المكفوفين والصم.
كما تناول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب والتعليم والمال والأعمال والفنون، موضحا دوره في تحليل صور الأشعة والمساعدة في الكشف المبكر عن بعض الأمراض، وتخصيص المحتوى التعليمي وفقا لاحتياجات الطلاب، وتحليل البيانات وتطوير خدمات العملاء، فضلا عن استخدامه في تصميم الصور وإعداد الموسيقى وإنشاء المحتوى.
ولم تغفل الندوة الجانب الآخر من الصورة، حيث ناقشت مخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، وتأثيره المحتمل على بعض الوظائف، وقضايا الخصوصية وأمن المعلومات، مع التأكيد على أهمية رفع الوعي الرقمي والتعامل المسؤول مع هذه التقنيات، وإتقان مهارات هندسة الأوامر "Prompting".
وفي الفيوم، انتقلت المناقشات إلى قضية تمس استقرار الأسرة مباشرة، حيث استضافت مكتبة الفيوم العامة صالون الثقافة الجماهيرية بعنوان "العنف الأسري.. رؤى وحلول"، بمشاركة الدكتورة فريدة الجمال، والدكتور إيهاب المقراني، والدكتورة نهير الشوشاني، والأديب والروائي أحمد طوسون.
وناقش المشاركون العنف الأسري من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وإنسانية، مؤكدين أن آثاره لا تتوقف عند لحظة الخلاف، وإنما تمتد إلى استقرار الأسرة وتكوين الأبناء. وشددت المناقشات على أهمية الحوار والاحتواء والتواصل، والتعامل المبكر مع المشكلات، وتوفير بيئة أسرية قائمة على الأمان والاحترام والدعم، خاصة للأطفال.
البحر الأحمر شهد بدوره برنامجا متنوعا من الفعاليات التوعوية والفنية، حيث ناقش بيت ثقافة الحمراوين "كيفية التعامل مع ذوي القدرات الخاصة"، مع التأكيد على احترام كرامة ذوي الهمم واستقلاليتهم، وتقديم المساعدة عند الحاجة والتواصل معهم بصورة طبيعية تراعي احتياجاتهم.
كما تناولت إحدى الفعاليات بمدرسة النصر الابتدائية المشتركة قضية "التعافي من الإدمان يبدأ بخطوة"، بينما ناقش قصر ثقافة حلايب "التطرف وآثاره السلبية على المجتمع"، مع التأكيد على نشر قيم الاعتدال والتسامح والانتماء.
وامتدت أنشطة ثقافة البحر الأحمر إلى الأمسيات الشعرية وورش الفنون، حيث شهد بيت ثقافة أم الحويطات أمسية شعرية بمشاركة عدد من شعراء سفاجا، فيما أقام قصر ثقافة الشلاتين أمسية احتفالية بعيد وفاء النيل، إلى جانب ورش للأداء الحركي والحساب الذهني والخط العربي والرسم.
الغردقة منحت الفنون الشعبية مساحة واسعة في ليلة جديدة من برنامج "شاطئ الفن"، حيث قدمت فرقة ثقافة الغردقة للفنون الشعبية مجموعة من الاستعراضات المستوحاة من التراث، منها "الرفيحي" و"الحنة" و"الفرح" و"الصيادين"، إلى جانب فقرة التنورة والأغاني التراثية، وسط تفاعل الجمهور.
كما قدمت فرقة توشكي للفنون التلقائية فقرات متنوعة، من بينها "الزفة" و"نعناع الجنينة" و"يا عندية"، إلى جانب عدد من الأغنيات، وتستمر فعاليات برنامج "شاطئ الفن" بمحافظة البحر الأحمر حتى 29 أغسطس الجاري.
أما أسوان، فوضعت الهوية المصرية في قلب إحدى فعالياتها، من خلال محاضرة بعنوان "الثقافة ودورها في تدعيم الهوية المصرية" بقصر ثقافة كوم أمبو، تناول خلالها الكاتب المسرحي طه الأسواني دور المؤسسات الثقافية والفنون والآداب والمسرح والشعر في تعزيز الانتماء الوطني وإحياء التراث الشعبي.
وأكدت الفعالية أن الثقافة تمثل إحدى أدوات حماية الأجيال الجديدة من الاغتراب الفكري والتطرف، وبناء وعي قادر على التعامل مع المتغيرات العالمية، بالتوازي مع محاضرة أخرى ناقشت تأثير الإدمان على العلاقات الأسرية وأهمية طلب العلاج وتقديم الدعم النفسي.
وتكشف هذه الفعاليات عن مشهد ثقافي يتجاوز حدود الأنشطة التقليدية، حيث تضع قصور الثقافة قضايا المجتمع في قلب برامجها، وتجمع بين التوعية والفن والأدب وتنمية المهارات، لتصبح الثقافة وسيلة لفهم الواقع، ومواجهة مشكلاته، وصناعة وعي أكثر قدرة على التعامل مع أسئلة المستقبل.