قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد الأشعل يكتب: منتدى مصر.. حين يصبح المواطن شريكًا في صناعة المستقبل

أحمد الأشعل
أحمد الأشعل

هناك فارق كبير بين أن تتحدث الدولة إلى المواطن، وأن تتحدث معه. ومن هنا، أرى أن «منتدى مصر 2026» الذي دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي يحمل دلالة تتجاوز فكرة عقد مؤتمر لاستعراض ما تحقق خلال السنوات الماضية؛ فنحن أمام مساحة للحوار والمشاركة، يلتقي فيها المسئول مع المواطن، والخبرة مع الواقع، وما تحقق بالأمس مع ما نريد تحقيقه غدًا.

وأعتقد أن أهم ما في دعوة الرئيس ليس فقط أن الدولة ستعرض ما أنجزته، وإنما أن المواطن نفسه مدعو إلى المشاركة وإبداء الرأي وتقديم المقترحات. 

فالرئيس دعا مؤسسات الدولة والخبراء وأبناء الشعب المصري بمختلف الأطياف والتوجهات إلى المشاركة في المنتدى، تحت رسالة واضحة: «بالمشاركة والحوار، نبني معًا مستقبل وطننا».

وفي رأيي، هذه العبارة تختصر فلسفة مهمة يجب البناء عليها؛ فالمشاركة الشعبية في صناعة القرار ليست رفاهية، بل إحدى أدوات بناء الدولة الحديثة.

ومن هنا أُشيد برؤية الرئيس في فتح الباب أمام هذا النوع من الحوار، خاصة أن مصر بعد سنوات طويلة من العمل والبناء تحتاج إلى أن تستمع بقدر ما تتحدث، وأن تضع أمام المواطن ما تحقق، وتسمع منه في الوقت نفسه ما يحتاج إليه، وما يشعر بأنه لم يتحقق بعد بالصورة التي ينتظرها.

فنحن نتحدث عن سنوات شهدت تغيرات ضخمة في شكل الدولة المصرية؛ مدن جديدة، وطرق ومحاور، وموانئ، وطاقة، وبنية رقمية، ومشروعات قومية، وتوسع عمراني، وبرامج اجتماعية ومشروعات غيرت خريطة مصر نفسها. 

في الوقت ذاته، كانت هناك تحديات قاسية، وقرارات اقتصادية صعبة، وأزمات عالمية وإقليمية انعكست بصورة مباشرة على المواطن المصري.

ولذلك فإن الوقت مناسب لأن نتوقف، ليس لكي نقول فقط: ماذا أنجزنا؟ وإنما لنسأل أيضًا: ماذا تعلمنا؟ وماذا نحتاج أن نستكمل؟ وأين يجب أن تكون الأولوية خلال السنوات المقبلة؟ وهذا تحديدًا ما يجعلني أرى «منتدى مصر» بصورة مختلفة. 

فالدولة القوية ليست الدولة التي تقول إنها لم تخطئ، وإنما الدولة التي تمتلك القدرة على مراجعة تجربتها، وقياس نتائجها، والاستماع إلى مواطنيها، وتطوير سياساتها عندما تستدعي الضرورة ذلك.

وأتمنى أن تكون النقاشات داخل المنتدى صريحة بقدر أهمية اللحظة، وأن نسمع المواطن قبل المسئول، وأن نستمع إلى صاحب المصنع قبل أن نتحدث عن الصناعة، وإلى المستثمر قبل أن نتحدث عن الاستثمار، وإلى الطبيب والمريض عند تقييم الصحة، وإلى المدرس والطالب وولي الأمر عندما نناقش التعليم. 

فالأرقام تقول جانبًا من الحقيقة، بينما حياة الناس تقول جانبًا آخر، والمعادلة الناجحة هي أن نضع الاثنين معًا على طاولة واحدة.

وأرى أن الرئيس السيسي، حين يفتح الباب أمام المصريين بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم للمشاركة بالرأي والمقترح، فإنه يقدم فرصة مهمة يجب استثمارها بصورة حقيقية؛ لأن المواطن حين يشارك في النقاش حول أولويات بلده يصبح أكثر ارتباطًا بالقرار، وأكثر إدراكًا لحجم التحديات، وفي الوقت نفسه يصبح من حقه أن يعرف إلى أين نتجه وما الأولويات وما النتائج المستهدفة.

ولدي هنا أمنية أرى أنها يمكن أن تكون امتدادًا طبيعيًا لهذا المنتدى. أتمنى أن يعقب «منتدى مصر 2026» احتفال وطني كبير لتكريم من ساهموا في تحقيق هذه الرؤية خلال السنوات الماضية، لأن الحديث عن التجربة المصرية لا يكتمل بالحديث عن مؤسسات الدولة وحدها.

فخلف كل مشروع كبير آلاف من المهندسين والعمال والمخططين، وهناك شركات مصرية وقطاع خاص ومستثمرون ورواد أعمال ومؤسسات تمويل ومكاتب استشارية وخبرات مصرية شاركت في تحويل الكثير من الخطط إلى واقع. لقد تحملت الدولة مسؤولية التخطيط والقرار وإنشاء وتطوير بنية أساسية واسعة، بينما شارك القطاع الخاص في التنفيذ والاستثمار والإنتاج والتشغيل في قطاعات متعددة.

وهؤلاء يستحقون أن نقول لهم: شكرًا.

ليس من باب المجاملة، وإنما لأن تكريم نماذج النجاح يحمل رسالة للمستقبل أيضًا. فعندما نكرم شركة وطنية ساهمت في مشروع قومي، أو رجل صناعة توسع في الإنتاج والتشغيل، أو مستثمرًا ضخ استثماراته في السوق المصرية، أو مهندسًا وعاملًا شاركا في بناء مشروع كبير، فنحن لا نكرم الماضي فقط، بل نشجع آخرين على المشاركة في صناعة المستقبل.

وأرى أن هذه النقطة ستكون شديدة الأهمية في المرحلة المقبلة، خصوصًا مع التوجه نحو منح القطاع الخاص مساحة أكبر في النشاط الاقتصادي. ولذلك يجب أن تتحول العلاقة بصورة أكبر من مجرد مستثمر ودولة إلى مفهوم «شريك في التنمية»؛ الدولة تخطط وتنظم وتراقب وتوفر البيئة المناسبة، والقطاع الخاص يستثمر وينتج ويوظف ويصدر، والمواطن في النهاية هو المستفيد من نمو اقتصادي حقيقي قادر على تحسين مستوى المعيشة.

ومن هنا أتمنى أن نرى بعد المنتدى احتفالية وطنية توثق التجربة المصرية وتكرم صناعها؛ من القطاع الحكومي والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وكل من كانت له بصمة حقيقية فيما تحقق. ليس الهدف أن نحتفل فقط بما أنجزناه، وإنما أن نرسخ ثقافة وطنية تعترف بمن يعمل وينجح ويساهم، لأن الأوطان لا يبنيها شخص واحد ولا مؤسسة واحدة، وإنما تتراكم جهود آلاف الأشخاص والمؤسسات حتى تتحول الرؤية إلى واقع.

ويبقى أمام «منتدى مصر 2026» فرصة أكبر من مجرد أيام من النقاش؛ فرصة لأن يتحول إلى تقليد مصري مهم، وموعد تقف فيه الدولة أمام شعبها لتقول ماذا فعلنا وإلى أين نتجه، ويسأل المواطن ماذا بعد، ويجلس المسئول والخبير والمستثمر والمواطن معًا للبحث عن الإجابات.

وأتمنى كذلك ألا تنتهي المشاركة الشعبية بانتهاء المنتدى، بل تتحول إلى آلية مستمرة؛ لأن الاستماع إلى المواطن يجب ألا يكون مرتبطًا بحدث، وإنما جزءًا من طريقة إدارة الدولة وقياس أثر السياسات. وهنا تحديدًا أرى أهمية مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ فهي لا تكتفي بالنظر إلى ما تحقق، وإنما تفتح الباب للنقاش حول ما هو قادم، وتمنح المواطن مساحة ليكون حاضرًا في هذا النقاش.

مصر قطعت شوطًا كبيرًا، ولا يزال أمامها طريق طويل. لدينا ما نفخر به، ولدينا أيضًا تحديات علينا مواجهتها بوضوح. 

لدينا مشروعات يجب البناء عليها، وملفات تحتاج إلى مزيد من العمل، ونجاحات تستحق أن نروي قصتها، وتجارب يجب أن نتعلم منها.

لكن الأهم أن تكون لدينا دائمًا القدرة على أن نجلس معًا ونتحدث بوضوح عن بلدنا، وأن تتحول المشاركة من مجرد الاستماع إلى المواطن إلى إشراكه بصورة أكبر في صياغة الأولويات ومناقشة السياسات التي تمس حياته ومستقبله.

فمصر التي بُنيت بسواعد أبنائها، يجب أن يُصنع مستقبلها أيضًا بعقولهم وأصواتهم ومشاركتهم.

ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي أراها في «منتدى مصر 2026»: الرؤية تبدأ من الدولة.. لكن المستقبل نصنعه جميعًا.