افتتح الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، اليوم، فعاليات الأسبوع الدعوي الثالث والعشرين الذي تنظِّمه اللجنة العُليا لشئون الدَّعوة بالمجمع في جامعة العريش تحت عنوان: (انتصارات أكتوبر بين ركائز الإيمان وعزائم الرجال).
وعُقدت الندوة الافتتاحيَّة بعنوان: (العقيدة الإسلاميَّة ركيزة أصيلة في تحقيق النصر)، في مركز المؤتمرات بالجامعة، ضمن فعاليَّات هذا الأسبوع الدعوي الذي يُقام في إطار حملة (على درب الأبطال) التي أطلقها مجمع البحوث الإسلامية بالتزامن مع الذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر، وبرعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف الشيخ أيمن عبد الغنيّ، وكيل الأزهر، والدكتور محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.
رجال الأزهر قلب الأمة ضميرها
وفي بداية الندوة، قال الدكتور زكريا هيبة نائب رئيس جامعة العريش، إنَّ رجال الأزهر الشريف يمثِّلون قلب الأمَّة وضميرها، وإنَّ تاريخ الأزهر بما يحمله من علم وعطاء ودور ممتد في خدمة الدين والوطن، يجعله مصدر فخر واعتزاز لكل مصري؛ لذلك فإن علماءه كان لهم دور بالغ الأهميَّة في بناء الوعي وتحصين المجتمع.
وأوضح أنَّ الأسبوع الدعوي الثالث والعشرين الذي تحضنه جامعة العريش بالتعاون مع مجمع البحوث الإسلاميَّة يمثِّل لقاءً فكريًّا مباشرًا مع الشباب، يتيح لهم طرح أفكارهم وتساؤلاتهم، ومناقشة القضايا التي تشغلهم، والاستماع إلى رؤى علماء الأزهر ومعالجاتهم العلمية الرصينة؛ بما يعزِّز انتماءهم لمجتمعهم، ويساعدهم على فهم قضاياه والتعامل معها بوعي وبصيرة، كما أنَّ وجود علماء الأزهر اليوم في جامعة العريش يمثِّل امتدادا لدور الأزهر في بناء الإنسان وترسيخ قِيَم الانتماء للوطن.
وفي كلمته أكَّد الدكتور محمد الجندي أنَّ الأسبوع الدعوي يمثِّل واجبًا دينيًّا ووطنيًّا، خاصَّةً في ظل المحاولات التي تستهدف تزييف وعي الشباب؛ لذلك يحرص مجمع البحوث الإسلاميَّة على التكامل مع المؤسسات المعنيَّة بالشباب، لافتًا إلى أنَّ جود علماء الأزهر بين الشباب في هذه الأرض المباركة، بالتزامن مع ذكرى انتصار أكتوبر المجيد، فيه إشارة إلى امتداد حضور العمامة الأزهريَّة في معارك الوطن، فكما كانت حاضرة في نصر أكتوبر، تأتي اليوم من أجل تحصين وعي الشباب ليكونوا قادرين على مواجهة التحديات التي تواجه الوطن.
وأشار الدكتور الجندي إلى أنَّ الإيمان بالله هو الطاقة الحقيقيَّة للوعي، التي تحفظ الرشد وتدفع الإنسان إلى التفكير السليم، وما حدث في يوم (الخندق) خير دليل على أنَّ الإيمان هو المحرِّك الذي دفع المسلمين إلى تحصين مجتمعهم في مواجهة الأخطار، فكانت الوسيلة هي الوعي، والمحرِّك هو الإيمان، كما كان كذلك محرِّكا للنصر لهذه الأمَّة، رغم قلَّة العُدَّة والعتاد، سواء في غزوة (بدر) أو غيرها من الغزوات، وهو ما تجلَّى أيضًا في نصر أكتوبر المجيد، حين اجتمع الإيمان واليقين بالله مع التخطيط الجيد، فكانت هذه الأرض شاهدةً على ما تحقَّق من إنجاز كبير في حرب أكتوبر، فكان النصر الذي صنعته عزائم الرجال وحسن التخطيط والأخذ بالأسباب.
وأوضح الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة أن أُولى محاولات تزييف الوعي تبدأ باختطاف العقيدة من قلوب الشباب، وهو ما تسعى إليه محاولات التشكيك في العقيدة من خلال طرح الشبهات حول الفكر الإسلامي ونصوص القرآن والسُّنة؛ لأنَّ خصوم الإسلام أدركوا أنَّ بداية الهزيمة تكون من التشكيك في العقيدة؛ ومِنْ ثَمَّ يجب الانتباه إلى ما يثار من شبهات؛ فتصديق هذه الترهات يمثِّل بداية الهزيمة الحقيقية، فالإنسان بلا وعي يضر نفسه ومجتمعه، وهذا ما تريده محاولات النَّيل من هذه الأمَّة.
وشدَّد فضيلته على ضرورة أن يتلقَّى الشباب معارفهم من أهل الاختصاص الثقات، وهو ما جاء به التوجيه الرباني: {فاسألوا أهل الذِّكر إن كنتم لا تعلمون}، مبيِّنًا أنَّ شبابنا اليوم أصبح جزءٌ كبيرٌ من حياتهم مرتبطًا بمواقع التواصل الاجتماعي؛ لذا تأتي أهميَّة تهذيب استخدامهم هذه المواقع وألَّا تشغلهم عن دورهم الأساس وتحقيق النفع للمجتمع، مع ضرورة الحذر من المواقع والمنتديات والمجتمعات التي تستغرق أوقاتهم وتحاول النَّيل من وعيهم، كما أنَّ من محاولات اختطاف الوعي أيضًا إحداث فصل بين الشباب ورموز الأمَّة وعلمائها الأجلَّاء، ومنهم: الإمام البخاري؛ لأنَّ التشكيك فيه يمثِّل مدخلًا للنَّيل من السُّنة؛ ومِنْ ثَمَّ تزييف وعي الشباب؛ بما يسهل محاولات هزيمتهم، داعيًا الشباب إلى الحذر من هذه المحاولات، والتمسُّك بإيمانهم، والرجوع إلى المصادر الأصيلة في تلقِّي المعرفة، وعدم الانشغال بما يصرفهم عن بناء أنفسهم وخدمة مجتمعهم ووطنهم.
كما شدَّد على أهميَّة أن يكون الشباب حريصًا على وطنه، لأنَّ عليه واجبًا تجاهه؛ يتمثَّل في البناء وتحقيق نهضته، وهذا هو ما حثَّ عليه النبي ﷺ في بناء المجتمع؛ إذْ كان يربِّي أصحابه على الحفاظ على أمن المجتمع واستقراره، وتجلَّى ذلك في (وثيقة المدينة)، التي جعلت الحفاظ على المجتمع وحمايته من بنودها الأساسية؛ بما رسَّخ قيمة الوطن في نفوس المسلمين.
وبيَّن الدكتور محمد الجندي أنَّ المحافظة على الوقت بوصفه نعمة، وحفظ الجوارح عن كل ما يشغلها عما يقربها من الإيمان؛ يمثِّلان أولى خطوات الوعي؛ فالسمع والبصر وما يدركه الإنسان له أثر في القلب؛ ومِنْ ثَمَّ يجب أن تظل سيرة النبي ﷺ حاضرةً في الوجدان دائمًا؛ لأنها منهج للحياة، ومَن تمسَّك بها غنم في الدنيا والآخرة، مؤكِّدًا أنَّ الانتصار يأتي بحفظ الوعي والتمسُّك بالإيمان؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
واختتم الدكتور الجندي كلمته بالإشارة إلى أنَّ النصر يتحقَّق على أيدي الشباب، وأنَّ وشباب الأمَّة عبر تاريخها كانوا قوَّةً فاعلةً في نصرة دينهم والحفاظ على أمَّتهم؛ ومنهم: سيدنا علي بن أبي طالب، وسيدنا مصعب بن عمير، وسيدنا معاذ بن جبل، وسيدنا أسامة بن زيد، والسيدة أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، وسيدنا سعد بن أبي وقَّاص، وسيدنا الأرقم بن أبي الأرقم، وسيدنا محمد بن القاسم، وسيدنا طلحة بن عبيد الله؛ بما يؤكِّد أنَّ الشباب كانوا ولا يزالون قوَّةً فاعلةً في حماية الأمَّة والدين وصناعة النصر.
بدوره، قال الدكتور حسن يحيى: إنَّ النصر في الإسلام ليس حدثًا ولا صدفة عابرة؛ بل هو سُنَّة إلهيَّة وقانون رباني صارم، له مقوِّماته وركائزه، ولا تبديل ولا تحويل لسُنَّة الله، وأولى مقوِّمات النصر تبدأ من «ركائز الإيمان»، من عقيدة تجعل القلب موصولًا بالسماء، موقنًا بأنَّ الأمر كله لله، كما قال تعالى: ﴿وما النصرُ إلَّا من عند الله العزيز الحكيم﴾، مشيرًا إلى أنَّ إشراقة النصر لا تكتمل إلا بـ«عزائم الأبطال وصدق الهِمَم»، وبالأخذ بالأسباب والتخطيط المحكم ودقَّة التنفيذ؛ فالشرع الحكيم ما جاء ليلغي عقول البشر؛ بل جاء ليجمع بين ثبات اليقين في الفؤاد وإتقان العمل في الميدان.
وأكَّد الدكتور يحيى أنَّ نصر أكتوبر المجيد كان شعلةً ناصعةً في سلسلة انتصارات قوَّاتنا المسلحة الفتيَّة عبر التاريخ؛إذِ التقت عقيدة «الله أكبر» ببديع التخطيط والدراسة، وشهدتِ الميادين تلاحُم الشعب وأبطاله البواسل، جنبًا إلى جنب مع المرأة المصريَّة العظيمة، صانعة الأبطال ومربية الأجيال ومشاركة النصر.
وأوضح الأمين العام المساعد للجنة العُليا لشئون الدَّعوة بمجمع البحوث الإسلاميَّة أنَّ قيمة الأرض والوطن في الدين الحنيف ليست مجرد مكان يسكن؛ بل هي عقيدة إيمان وحرمة دين، فالأرض عِرض، وصيانتها عبادة، والتضحية دونها شرف ترتفع به الدرجات، مشدِّدًا على أنَّ الحرب لم تكُن يومًا للعدوان أو البغي أو استباحة الدماء؛ وإنما كانت لإقرار الحق ودحر الظلم وحماية الأوطان ونبذ الفُرقة والتعصُّب، لافتًا إلى أنَّ (سيناء) هي الأرض المقدَّسة التي جاء ذِكرها في القرآن الكريم وأقسم بها رب العالمين، وهي الأرض التي بذلت فيها الأمَّة المصريَّة الغالي والنفيس، قيادةً وجنودًا وشعبًا؛ لاسترداد آخر حبَّة من ترابها، وأن التضحية في سبيل الأرض من مقاصد الدين وركائزه، كما قال تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنَّ الله لا يحب المعتدين﴾.
واختتم الدكتور حسن يحيى كلمته بتأكيد أنَّ الحفاظ على النصر وصيانة مقدَّراته لا يقل أهميَّة عن إحرازه في ميادين القتال، وأنَّ مَن ظنَّ أنَّ معركة البناء والوعي أقل شأنًا من معركة السلاح فقد جهل طبيعة العصر، لافتًا إلى أنَّ الأمَّة تراهن على وعي الشباب ليكونوا الحصن المنيع، يحوِّلون الإيمان إلى استقرار نفسي ومجتمعي، وينطلقون في بناء الإنسان وتنمية الوطن وَفق رؤى العلم والعمل، مستلهمين روح أكتوبر، والتزامًا بالدين القويم، واعتزازًا بالهُويَّة الوطنيَّة، ليكونوا قادة أوفياء؛ يحمون التراب، ويبنون المستقبل، ويصنعون الأمجاد، ويصونون أمانة الآباء والأجداد.
وتأتي فعاليَّات الأسبوع الدَّعوي في جامعة العريش بمشاركة نخبةٍ من علماء الأزهر الشريف؛ إذْ تتنوَّع الندوات والمحاضرات الفكريَّة التي تتناول عددًا مِنَ الموضوعات؛ من بينها: مقوِّمات صناعة النصر ووسائله، ودور مصر عبر التاريخ في حماية العرب والإسلام، ومكانة العقيدة الإسلاميَّة بوصفها ركيزةً أصيلة في تحقيق النصر، وأهميَّة التخطيط وأثره في صناعة النصر، إلى جانب دور المرأة في صناعة النصر، فضلًا عن استعراض نصر أكتوبر بوصفه حلقةً في سلسلة انتصارات القوات المسلَّحة.











