يثير الجلوتين، وهو أحد البروتينات الموجودة في القمح والشعير والجاودار، تساؤلات عديدة بشأن تأثيره على صحة الجهاز الهضمي والجهاز المناعي، خاصة لدى الأشخاص المصابين بمرض السيلياك أو حساسية الجلوتين، وكذلك مرضى القولون العصبي وبعض أمراض المناعة الذاتية.
ما هو الجلوتين؟ ومتى يصبح تجنبه ضروريًا؟
ورغم أن الامتناع عن الجلوتين يُعد ضرورة طبية للأشخاص المصابين بمرض السيلياك، فإن اتباع نظام غذائي خالٍ من الجلوتين قد يساعد بعض الأشخاص على تخفيف الأعراض الهضمية، بينما لا تزال الأدلة العلمية غير كافية للتوصية بهذا النظام لجميع مرضى أمراض المناعة الذاتية.
وفي تقرير نشرته مجلة Today's Dietitian الأمريكية في الأول من أبريل 2022، استعرضت الكاتبة ليزا أندروز، اختصاصية التغذية، الأدلة العلمية المتعلقة بتأثير الجلوتين على القولون العصبي والسكري من النوع الأول وأمراض الغدة الدرقية المناعية والتهاب المفاصل الروماتويدي.
والجلوتين هو مجموعة من البروتينات الموجودة في القمح والشعير والجاودار، ويساعد على منح العجين مرونته وقوامه المميز.
وبالنسبة للأشخاص المصابين بمرض السيلياك، يؤدي تناول الجلوتين إلى استجابة مناعية تضر ببطانة الأمعاء الدقيقة، ما قد يسبب آلام البطن وسوء امتصاص العناصر الغذائية ونقص الفيتامينات والمعادن، كما يرتبط المرض بزيادة خطر بعض المضاعفات الصحية.
لذلك، يحتاج مرضى السيلياك إلى الالتزام بنظام غذائي خالٍ من الجلوتين مدى الحياة لتجنب تلف الأمعاء ومساعدتها على التعافي.
أما الأشخاص الذين يعانون من حساسية الجلوتين غير المرتبطة بالسيلياك، فقد تظهر لديهم أعراض مثل الانتفاخ وآلام البطن واضطرابات الهضم بعد تناول الأطعمة المحتوية عليه، دون حدوث الضرر المعوي المميز لمرض السيلياك.

الجلوتين والقولون العصبي.. هل يساعد النظام الغذائي الخالي منه؟
متلازمة القولون العصبي من اضطرابات الجهاز الهضمي الوظيفية، وتظهر في صورة آلام البطن والغازات والانتفاخ والإسهال، وقد يعاني بعض المصابين أيضًا من الإمساك.
ووفقًا للتقرير، تشير بعض الدراسات إلى أن تناول الجلوتين قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض لدى بعض المصابين بالقولون العصبي، لكن نتائج الأبحاث ليست متطابقة، ولا يمكن اعتبار الجلوتين السبب الرئيسي لأعراض جميع المرضى.
وفي إحدى الدراسات الصغيرة التي تناولت نظامًا غذائيًا يجمع بين تقليل الكربوهيدرات القابلة للتخمر المعروفة باسم FODMAPs والامتناع عن الجلوتين، انخفضت أعراض القولون العصبي لدى المشاركين الثلاثين الذين أكملوا التجربة بعد 6 أسابيع.
كما أظهرت تجربة أخرى شملت 34 شخصًا مصابًا بالقولون العصبي، ولا يعانون من السيلياك، زيادة في أعراض الجهاز الهضمي لدى المشاركين الذين تناولوا الجلوتين بعد اتباع نظام خالٍ منه لمدة 6 أسابيع، مقارنة بمجموعة تلقت علاجًا وهميًا.
وفي دراسة أخرى شملت 60 مشاركًا، ارتبطت إعادة تناول الجلوتين بزيادة شدة آلام البطن والانتفاخ والتعب مقارنة بالمجموعة التي تلقت علاجًا وهميًا.
لكن نتائج دراسة أحدث شملت 103 مشاركين أشارت إلى أن الكربوهيدرات القابلة للتخمر FODMAPs تسببت في زيادة متواضعة في شدة أعراض القولون العصبي، بينما لم تظهر فروق بين مجموعتي الجلوتين والعلاج الوهمي.
ويفسر ذلك أهمية الانتباه إلى مصادر أخرى للأعراض، إذ تحتوي بعض الأطعمة الغنية بالجلوتين أيضًا على كربوهيدرات تُعرف باسم الفركتانز، يمكن أن تتخمر بفعل بكتيريا الأمعاء وتؤدي إلى الغازات والانتفاخ لدى بعض الأشخاص.

هل توجد علاقة بين الجلوتين والسكري من النوع الأول؟
السكري من النوع الأول أحد أمراض المناعة الذاتية التي يهاجم فيها الجهاز المناعي الخلايا المنتجة للإنسولين في البنكرياس.
ووفقًا للمراجعة العلمية التي استعرضها التقرير، يعاني نحو 4 إلى 5% من المصابين بالسكري من النوع الأول أيضًا من مرض السيلياك، وقد يرجع هذا الارتباط جزئيًا إلى وجود عوامل وراثية ومناعية مشتركة بين المرضين.
وتشير الأبحاث إلى أن بعض العوامل، مثل التغيرات في ميكروبات الأمعاء وبعض العدوى، قد ترتبط بتطور هذه الاضطرابات لدى الأشخاص المعرضين لها وراثيًا.
كما بحثت دراسات في احتمال تأثير النظام الغذائي الخالي من الجلوتين على خطر الإصابة بالسكري من النوع الأول، لكن الأدلة المتاحة لا تكفي للتوصية بمنع الجلوتين بهدف الوقاية من المرض لدى عموم السكان.
ويحذر التقرير من أن الاستغناء عن الحبوب الكاملة المحتوية على الجلوتين دون تعويضها ببدائل مناسبة قد يؤدي إلى انخفاض تناول الألياف وبعض الفيتامينات والمعادن.
ولذلك، يمكن الاستعانة ببدائل مثل الأرز البني والكينوا والدخن والحنطة السوداء والشوفان المعتمد الخالي من الجلوتين، مع مراعاة الاحتياجات الغذائية لكل شخص.

الجلوتين والغدة الدرقية.. هل يفيد مرضى هاشيموتو؟
توجد علاقة معروفة بين مرض السيلياك وبعض أمراض الغدة الدرقية المناعية، ومنها التهاب الغدة الدرقية لهاشيموتو، لكن وجود هذا الارتباط لا يعني أن الجلوتين يسبب أمراض الغدة الدرقية لدى جميع الأشخاص.
ويشير التقرير إلى أن بعض الفرضيات العلمية تبحث دور التغيرات في ميكروبات الأمعاء وزيادة نفاذية جدارها والتفاعلات المناعية في العلاقة بين الجهاز الهضمي والغدة الدرقية.
وفي دراسة تجريبية صغيرة شملت 34 امرأة مصابة بالتهاب هاشيموتو ولم يسبق لهن تلقي علاج دوائي، اتبعت مجموعة منهن نظامًا غذائيًا خاليًا من الجلوتين لمدة 6 أشهر، بينما لم تتلق المجموعة الأخرى تدخلًا غذائيًا مماثلًا.
وأظهرت النتائج انخفاضًا في مستويات الأجسام المضادة للغدة الدرقية وتحسنًا طفيفًا في مستويات فيتامين D لدى المجموعة التي امتنعت عن الجلوتين.
ومع ذلك، لا تكفي هذه النتائج المحدودة لإثبات أن النظام الخالي من الجلوتين يحسن وظائف الغدة الدرقية لدى جميع مرضى هاشيموتو.
وفي المقابل، خلصت مراجعة علمية أخرى تناولت تأثير استبعاد الجلوتين لدى مرضى هاشيموتو، سواء كانوا مصابين بالسيلياك أم لا، إلى أن الأدلة المتاحة لا تدعم التوصية باستبعاد الجلوتين بصورة روتينية لجميع هؤلاء المرضى.
وبالتالي، ينبغي أن يعتمد قرار الامتناع عن الجلوتين على تشخيص السيلياك أو وجود مبررات طبية وغذائية واضحة، وليس على الإصابة بمرض الغدة الدرقية وحده.

هل يخفف النظام الخالي من الجلوتين أعراض التهاب المفاصل الروماتويدي؟
التهاب المفاصل الروماتويدي مرض مناعي مزمن يسبب التهاب المفاصل وألمها وتورمها، وقد يؤثر على القدرة على الحركة وجودة الحياة.
واستعرض التقرير دراسة شملت 40 شخصًا يعانون من زيادة الوزن أو السمنة والتهاب المفاصل الروماتويدي المزمن، وقارنت بين نظام غذائي يستبعد اللحوم والجلوتين واللاكتوز ومنتجات الألبان، ونظام غذائي متوازن يشمل هذه الأطعمة.
وأظهرت النتائج تحسنًا في بعض مؤشرات الصحة البدنية والنفسية لدى المشاركين الذين اتبعوا النظام الإقصائي، إلى جانب انخفاض ضغط الدم وبعض مؤشرات الالتهاب.
كما أشار التقرير إلى تقارير محدودة ربطت اتباع نظام خالٍ من الجلوتين بتحسن الأعراض لدى بعض مرضى التهاب المفاصل الروماتويدي.
لكن هذه النتائج لا تثبت أن الجلوتين هو سبب المرض، ولا تؤكد أن الامتناع عنه وحده يعالج التهاب المفاصل الروماتويدي، خاصة أن النظام الغذائي الذي خضع للدراسة استبعد مجموعات غذائية متعددة، وليس الجلوتين فقط.
لذلك، لا ينبغي استخدام النظام الخالي من الجلوتين بديلًا عن العلاج الدوائي الموصوف لمرضى الروماتويد، ويمكن مناقشة التغييرات الغذائية مع الطبيب واختصاصي التغذية.

أفضل الأطعمة الخالية من الجلوتين لتعويض العناصر الغذائية
يشدد التقرير على أهمية اختيار بدائل غذائية توفر الألياف والبروتين والفيتامينات والمعادن عند اتباع نظام خالٍ من الجلوتين، لتجنب نقص العناصر الغذائية.
ومن أبرز هذه الأطعمة:
ـ الحبوب الخالية من الجلوتين: مثل الأرز البني والذرة والدخن والكينوا والحنطة السوداء والشوفان المعتمد الخالي من الجلوتين.
ـ الفواكه والخضراوات: مثل البرتقال والتوت والجزر والفاصوليا الخضراء والبطاطس، مع اختيار الأنواع المناسبة لمن يعانون من القولون العصبي.
ـ منتجات الألبان: مثل الحليب والزبادي والجبن القريش قليل الدسم، لتوفير الكالسيوم والبروتين وفيتامينات مجموعة B، مع مراعاة تحمل اللاكتوز.
ـ البقوليات: مثل العدس والفاصوليا والحمص، وهي مصادر للألياف والبروتين النباتي.
ـ الأسماك والمأكولات البحرية: مثل السلمون والتونة والماكريل والجمبري، لتوفير البروتين وأحماض أوميجا 3 الدهنية.
ـ اللحوم قليلة الدهون والدواجن: لتوفير البروتين والحديد والزنك.
ـ المكسرات والبذور: مثل اللوز والجوز والفول السوداني، للحصول على الدهون الصحية والبروتين وفيتامين E وبعض المعادن.
ويجب الانتباه إلى ملصقات المنتجات المصنعة، إذ قد تحتوي بعض الأطعمة على القمح أو مشتقاته بصورة غير واضحة، كما ينبغي اختيار الشوفان المعتمد الخالي من الجلوتين لتجنب التلوث المتبادل أثناء التصنيع.

هل يجب على الجميع اتباع نظام غذائي خالٍ من الجلوتين؟
يؤكد التقرير أن الحاجة إلى المزيد من الدراسات لا تزال قائمة لتحديد مدى فاعلية الأنظمة الغذائية الخالية من الجلوتين في الحالات الصحية التي تتجاوز مرض السيلياك وحساسية الجلوتين غير المرتبطة به.
كما أن الاعتماد على المنتجات الخالية من الجلوتين لا يضمن بالضرورة الحصول على غذاء صحي؛ إذ قد تكون بعض هذه المنتجات منخفضة الألياف والحديد وفيتامينات B، خاصة إذا كانت مصنوعة من الحبوب المكررة.
لذلك، يظل التشخيص الطبي خطوة أساسية قبل استبعاد الجلوتين، خاصة عند الاشتباه في الإصابة بمرض السيلياك، لأن بدء النظام الخالي من الجلوتين قبل إجراء الفحوصات اللازمة قد يؤثر على دقة نتائج التشخيص.

