مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف اليوم الثلاثاء، يكثر التساؤل حول حكم صيام هذا اليوم إذا جاء في غير يومي الإثنين والخميس، وما إذا كان صيامه مرتبطًا بكونه من الأيام التي اعتاد المسلمون صيامها تطوعًا.
وأجابت دار الإفتاء المصرية عن هذا التساؤل، موضحة أن صيام يوم المولد النبوي الشريف جائز شرعًا، باعتباره صيامًا شكرًا لله تعالى على نعمة مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مؤكدة أن هذا النوع من الصيام له أصل في السنة النبوية.
حكم صيام يوم المولد النبوي
واستندت دار الإفتاء في بيان حكم صيام المولد النبوي إلى ما ورد عن صيام يوم عاشوراء، حيث مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأناس من اليهود كانوا يصومون ذلك اليوم، فسألهم عن سبب صيامهم، فأخبروه بأنه اليوم الذي نجّى الله فيه موسى عليه السلام وبني إسرائيل من الغرق، وأغرق فرعون، وأن موسى عليه السلام صامه شكرًا لله تعالى.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ»، ثم أمر أصحابه بالصيام، وقد أخرج الحديث الإمام أحمد.
وبناءً على ذلك، أوضحت دار الإفتاء أن صيام يوم المولد النبوي لا يتوقف على موافقته يوم الإثنين أو الخميس، وإنما يجوز صيامه باعتباره صيام شكر لله تعالى على هذه النعمة، ولا يشترط لصحة ذلك أن يأتي يوم المولد في أحد الأيام التي ورد استحباب صيامها على وجه الخصوص.
مكانة السيرة النبوية في حياة المسلمين
وتطرقت دار الإفتاء إلى مكانة السيرة النبوية في حياة المسلمين، مؤكدة أن حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مليئة بالمواقف التي تحمل دروسًا في الرحمة والإنسانية وحسن التعامل، وأن الاستفادة الحقيقية من السيرة تتحقق عندما تتحول هذه المعاني إلى سلوك عملي في حياة الناس.
واستشهدت دار الإفتاء بقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، مؤكدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو القدوة التي يستلهم منها المسلمون القيم والمبادئ التي تستقيم بها الحياة وتتحقق بها عمارة الأرض.
وأكدت دار الإفتاء كذلك أن الاحتفال بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمثل تعبيرًا عن الفرح والمحبة له، مشيرة إلى أن محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مرتبطة بالإيمان، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يُؤمِنُ أَحَدُكم حتى أَكُونَ أَحَبَّ إليه مِن والِدِه ووَلَدِه والنَّاسِ أَجمَعِينَ».
واستشهدت أيضًا بالحديث الذي رواه زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه أحبه إلى نفسه بعد كل شيء إلا نفسه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال عمر رضي الله عنه: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الآن يا عمر»، وقد أخرجه البخاري.
وأشارت دار الإفتاء إلى أن الله تعالى عظّم شأن يوم الميلاد، واستشهدت بما ورد في القرآن الكريم بشأن يوم ولادة بعض الأنبياء، فقال سبحانه عن سيدنا يحيى عليه السلام: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: 15]، وقال تعالى على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ [مريم: 33].
وأوضحت أن يوم الميلاد ارتبط بحصول نعمة الإيجاد، وأنه لا توجد نعمة أعظم من نعمة وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، بما يحمله ذلك من هداية ورحمة للناس.
وشددت دار الإفتاء على أن المسلمين في الوقت الراهن في حاجة إلى استعادة دروس السيرة النبوية وقراءتها قراءة واعية تناسب واقع الحياة، بما يساعد على ترسيخ قيم الرحمة والإنسانية، والعمل والاجتهاد في إعمار الأرض، وتحقيق الغاية من استخلاف الإنسان فيها وفق ما يرضي الله تعالى.



