استعاد أحمد أبو الغيط، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، ملامح المرحلة التي سبقت حرب أكتوبر 1973، مؤكدًا أن مصر واجهت آنذاك ظروفًا بالغة الصعوبة في ظل استمرار احتلال أراضٍ مصرية، وتصاعد التحديات العسكرية والسياسية، وهو ما فرض على الدولة خوض معركة مصيرية لاستعادة الأرض وتغيير الواقع الذي أعقب حرب يونيو 1967.
وأوضح أبو الغيط أن المواجهة لم تكن مجرد قرار عسكري، بل جاءت نتيجة إرادة وطنية جمعت القيادة السياسية والقوات المسلحة والشعب المصري حول هدف واضح، تمثل في إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة الوطنية، مشيرًا إلى أن الجيش المصري دخل المعركة بعد مرحلة من الاستعداد والتجهيز لمواجهة التحديات المفروضة على الدولة.
جاء ذلك خلال كلمته بالندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة، التي أُقيمت اليوم الأربعاء بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمناسبة الاحتفال بذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، حيث استعرض أبو الغيط جانبًا من الظروف التي أحاطت بمصر قبل الحرب، والدروس المستفادة من التجربة التي غيرت مسار التاريخ المصري الحديث.
مليون مقاتل تحت السلاح.. استعداد مصري لمعركة استعادة الأرض
وأشار أبو الغيط إلى حجم التحدي الذي واجهته مصر قبل حرب أكتوبر، لافتًا إلى أن القوات المسلحة كانت تضم نحو مليون مقاتل تحت السلاح، في إطار الاستعداد لمواجهة عسكرية تستهدف تحرير الأرض المحتلة واستعادة الكرامة الوطنية.
وأوضح أن وجود هذا العدد الكبير من المقاتلين عكس حجم المسؤولية التي تحملتها الدولة المصرية في تلك المرحلة، في ظل ضرورة إعداد القوات وتجهيزها لخوض معركة مع عدو كان يتحرك بثقة بعد احتلال الأراضي المصرية.
وأكد أن قبول التحدي لم يكن مسؤولية القوات المسلحة وحدها، وإنما شاركت فيه القيادة السياسية والعسكرية والمجتمع المصري، الذي تحمل أعباء مرحلة الاستعداد للحرب، وتمسك بهدف استعادة الأرض مهما بلغت صعوبة الطريق.
وأضاف أن معركة السادس من أكتوبر جاءت تعبيرًا عن تلاقي الإرادة السياسية مع الجاهزية العسكرية والإصرار الشعبي، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الصراع، أثبتت خلالها القوات المسلحة المصرية قدرتها على مواجهة التحصينات الإسرائيلية وعبور قناة السويس وبدء استعادة الأراضي المحتلة.
أبو الغيط: انتصار أكتوبر لم يكن وليد اللحظة
وشدد الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية على أن الانتصار الذي تحقق في أكتوبر لم يكن حدثًا مفاجئًا أو نتيجة قرار اتُخذ بمعزل عن الاستعداد، بل كان ثمرة جهود متواصلة وعمل متراكم شاركت فيه مؤسسات الدولة والقوات المسلحة على مدار سنوات.
وأوضح أن التفكير في حرب أكتوبر يستدعي التوقف أمام حجم التحضير الذي سبق المعركة، وما تطلبه من تخطيط وتدريب وإعداد للقوات، إلى جانب القدرة على تقدير الموقف العسكري واختيار التوقيت المناسب للتحرك.
ولفت إلى أن استعادة الأرض ارتبطت بقدرة الدولة على تحويل التحديات إلى أهداف قابلة للتحقيق، من خلال وضع خطة واضحة وتوفير الإمكانات اللازمة لتنفيذها، مؤكدًا أن التجربة المصرية قدمت نموذجًا في التعامل مع الأزمات المصيرية عبر العمل المنظم والإرادة المستمرة.
وأضاف أن قيمة انتصارات أكتوبر لا تقتصر على نتائجها العسكرية، بل تمتد إلى ما رسخته من ثقة في قدرة المصريين على تغيير الواقع، بعدما واجهوا ظروفًا صعبة عقب عام 1967، وتمكنوا من إعادة بناء قدراتهم والاستعداد لخوض معركة التحرير.
شهادة من قلب المرحلة.. أبو الغيط يستعيد ذكريات الحرب
وتحدث أبو الغيط عن تجربته الشخصية مع حرب أكتوبر، موضحًا أنه كان في الخامسة والعشرين من عمره وقت اندلاعها، وعاصر الظروف التي مرت بها مصر قبل المعركة، وما شهدته البلاد من تحديات وضغوط خلال تلك الفترة.
وأشار إلى أن معايشته للأحداث منحته فرصة إدراك حجم المواجهة التي خاضتها الدولة المصرية، وطبيعة المسؤوليات التي تحملتها القيادة والقوات المسلحة في سبيل استعادة الأرض.
وأكد أن استحضار تلك الذكريات لا يرتبط فقط باستعادة تفاصيل معركة عسكرية، وإنما بفهم الظروف التي سبقتها، وكيف تعاملت مصر مع واقع صعب فرض عليها اتخاذ قرارات مصيرية من أجل حماية مصالحها واستعادة حقوقها.
وأوضح أن الأجيال التي لم تعاصر الحرب تحتاج إلى التعرف على سياقها التاريخي، وحجم التضحيات التي قدمها المقاتلون، والجهود التي بُذلت لإعداد القوات المسلحة حتى أصبحت قادرة على تنفيذ عملية العبور وتحقيق أهدافها.
حرب أكتوبر ودروس مواجهة التحديات الوطنية
وأكد أبو الغيط أن تجربة أكتوبر تمثل نموذجًا مهمًا في تاريخ الدول التي تواجه تحديات تمس سيادتها ومستقبلها، إذ أظهرت أن تغيير الواقع لا يتحقق بالتمنيات، وإنما يتطلب وضوح الهدف، والاستعداد الجيد، وتكامل الأدوار بين القيادة ومؤسسات الدولة والمجتمع.
وأشار إلى أن ما جرى في السادس من أكتوبر 1973 يظل محطة أساسية لفهم قدرة الدولة المصرية على إدارة المواجهات الكبرى، والتعامل مع الظروف المعقدة من خلال التخطيط والإعداد وتحمل المسؤولية.
وأضاف أن استعادة دروس الحرب تكتسب أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تعريف الأجيال الجديدة بالوقائع التاريخية التي شكلت وجدان المصريين، وإبراز الدور الذي قامت به القوات المسلحة في الدفاع عن الأرض وصون السيادة الوطنية.
واختتم أبو الغيط حديثه بالتأكيد على أن حرب أكتوبر ستظل علامة فارقة في تاريخ مصر، لما حملته من معاني الإصرار والتضحية والقدرة على تجاوز التحديات، مشيرًا إلى أن التجربة تثبت أهمية امتلاك الدول إرادة المواجهة والعمل المنظم عندما تصبح الأرض والسيادة الوطنية في موضع اختبار.
وتأتي كلمة أبو الغيط ضمن فعاليات الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة، التي تستعيد محطات من ملحمة أكتوبر وتضحيات أبطالها، وتسلط الضوء على أهمية الحفاظ على الذاكرة الوطنية ونقل دروس الانتصار إلى الأجيال المقبلة.