كشف أحمد أبو الغيط، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، عن كواليس حديث جمعه بوزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، خلال فترة عمله مندوبًا لمصر لدى الأمم المتحدة، موضحًا أن كيسنجر أشاد بقدرة مصر على تقديم قيادات تاريخية قادرة على التعامل مع اللحظات الفاصلة، مستشهدًا بالرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات.
وأكد أبو الغيط أن التجربة المصرية تكشف عن قدرة الدولة على تقديم قيادات تتولى المسؤولية في أوقات التحولات الكبرى، مشيرًا إلى أن هذه القناعة تكونت لديه من خلال دراسته للتاريخ ومتابعته لتجارب الدول والشعوب في مواجهة الأزمات والتحديات المصيرية.
وجاءت تصريحات أبو الغيط خلال كلمته بالندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة، التي أُقيمت اليوم الأربعاء بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمناسبة الاحتفال بذكرى انتصارات حرب أكتوبر المجيدة، حيث استعرض عددًا من النماذج التاريخية التي رأى أنها تعكس أهمية القيادة السياسية في توجيه مسار الدول خلال الفترات الحاسمة.
أبو الغيط: التاريخ يكشف قدرة مصر على تقديم قيادات استثنائية
وأوضح الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية أن قراءة التاريخ العالمي تظهر كيف يمكن للقيادات أن تؤثر في مصير الدول، لا سيما عندما تواجه الشعوب تهديدات كبرى تتطلب قرارات حاسمة ورؤية واضحة للتعامل مع المتغيرات.
واستشهد في هذا السياق برئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل، الذي قاد بلاده خلال الحرب العالمية الثانية، والرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديجول، الذي ارتبط اسمه برفض الاستسلام عقب الهزيمة الفرنسية أمام ألمانيا خلال الحرب.
وأشار أبو الغيط إلى أن هذه النماذج تعكس أهمية وجود قيادة تتمسك بإرادة المواجهة، وتتمكن من الحفاظ على ثقة شعبها في الظروف الصعبة، قبل أن ينتقل إلى التجربة المصرية، مستعرضًا دور الرئيس الراحل أنور السادات في اتخاذ قرار الحرب عام 1973.
وأكد أن التجارب التاريخية لا تُقاس فقط بحجم التحديات التي تواجه الدول، وإنما أيضًا بقدرة القيادات على اتخاذ القرارات المناسبة في التوقيت الحاسم، وتحويل الأزمات إلى نقاط تحول في مسار الدولة.
محضر اجتماع 30 سبتمبر 1973.. أبو الغيط يستعيد استعداد السادات للحرب
وفي استعراضه للأيام التي سبقت حرب أكتوبر، كشف أبو الغيط أنه اطلع على محضر اجتماع مجلس الأمن القومي المصري المنعقد في 30 سبتمبر 1973، قبل اندلاع الحرب بأيام قليلة، مشيرًا إلى أن أكثر ما لفت انتباهه في المحضر كان ما عكسه من إرادة القتال والاستعداد لمواجهة التحدي لدى الرئيس الراحل أنور السادات.
وأوضح أن الاطلاع على مثل هذه الوثائق يتيح فهم طبيعة التفكير الذي سبق اتخاذ قرار الحرب، ويكشف جانبًا من المناقشات والتقديرات التي صاحبت واحدة من أهم المحطات في التاريخ المصري الحديث.
وأضاف أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل جاءت في إطار قرار استراتيجي استهدف كسر حالة الجمود واستعادة الأراضي المصرية المحتلة، بعد سنوات من الاستعداد لإعادة بناء القدرات العسكرية وتهيئة الظروف اللازمة لخوض المعركة.
وأشار إلى أن موقف السادات قبل الحرب يمثل، في قراءته، نموذجًا للقيادة التي تتعامل مع التحديات المصيرية بإرادة واضحة، وتتحمل مسؤولية القرارات التي تؤثر في مستقبل الدولة.
ماذا قال هنري كيسنجر عن مصر وقياداتها؟
وروى أبو الغيط واقعة تعود إلى فترة عمله مندوبًا لمصر لدى الأمم المتحدة، عندما التقى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر خلال إحدى المناسبات الدبلوماسية، وعرّف نفسه إليه بصفته ممثل مصر لدى المنظمة الدولية.
وقال إن كيسنجر رد عليه بعبارة لفتت انتباهه، قائلًا: «مصر؟ عندكم شيء عظيم»، موضحًا أنه سأله عما يقصده بهذه العبارة، فجاء رد المسؤول الأمريكي السابق بالإشارة إلى قدرة مصر على تقديم قادة تاريخيين.
ووفقًا لرواية أبو الغيط، استشهد كيسنجر بالرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، في حديثه عن القيادات المصرية التي تركت بصمة في تاريخ بلادها والمنطقة، وهو ما اعتبره أبو الغيط شهادة تستحق التوقف أمامها عند الحديث عن التجربة المصرية.
وتحمل هذه الواقعة، كما عرضها أبو الغيط، دلالة على أن تأثير القيادات لا يقتصر على حدود دولها، بل يمكن أن يمتد إلى دوائر صنع القرار الدولي، وأن يظل حاضرًا في تقييم الشخصيات التي لعبت أدوارًا مؤثرة في مراحل تاريخية مهمة.
أبو الغيط يربط بين إرث القادة التاريخيين والمرحلة الراهنة
وفي ختام روايته، أشار أبو الغيط إلى أنه تمنى لو كان هنري كيسنجر لا يزال على قيد الحياة حتى يشهد المرحلة الراهنة، مستطردًا بقوله: «كنت أتمنى أن يكون قيد الحياة حتى يرى الرئيس عبد الفتاح السيسي».
وجاءت الإشارة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي في سياق حديث أبو الغيط عن قدرة مصر على تقديم قيادات في المراحل المفصلية، وربطه بين التجارب التاريخية المختلفة ومسار الدولة المصرية في مواجهة التحديات.
وتعكس تصريحات أبو الغيط أهمية استحضار الشخصيات والوقائع المرتبطة بحرب أكتوبر، ليس فقط باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية، ولكن أيضًا لفهم طبيعة القرارات السياسية التي سبقت المعركة، والدور الذي أدته القيادة المصرية في تحديد مسار الأحداث.
وتأتي هذه الشهادة ضمن فعاليات الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة، التي تستعيد بطولات أكتوبر ودروسها التاريخية، وتسلط الضوء على الشخصيات التي أسهمت في تشكيل مسار الدولة المصرية، بما يعزز وعي الأجيال الجديدة بالتحولات التي شهدها تاريخ البلاد الحديث.