مع ارتفاع معدلات الإصابة بنزلات البرد والإنفلونزا والعدوى التنفسية خلال موسم الشتاء، يبحث كثيرون عن وسائل تساعد على تخفيف الأعراض وتسريع التعافي. وبين المكملات الغذائية والعلاجات المتاحة في الصيدليات، يبرز الزنك باعتباره أحد الخيارات التي تشير بعض الدراسات إلى إمكانية مساهمتها في تقليل مدة الإصابة بنزلات البرد، لكن فاعليته قد تختلف بحسب طريقة تناوله وتركيبته وتوقيت بدء الاستخدام.
هل يساعد الزنك على تقليل مدة نزلات البرد؟
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، فإن بعض الأبحاث تشير إلى أن أقراص المصّ المحتوية على الزنك قد تساعد على تقصير مدة نزلات البرد، إلا أن الأدلة العلمية لا تزال متفاوتة، ولا يتفق الخبراء على التوصية باستخدامه بصورة روتينية.
أشار التقرير إلى تحليل نُشر عام 2016 وشمل 3 تجارب سريرية بمشاركة 199 شخصًا، ووجد أن المشاركين الذين استخدموا أقراص مصّ تحتوي على أسيتات الزنك تعافوا في المتوسط قبل نحو 3 أيام مقارنة بمن تناولوا دواءً وهميًا.
كما خلصت مراجعة علمية نشرتها مؤسسة كوكرين عام 2024 إلى أن الزنك قد يقلل مدة نزلات البرد بنحو يومين، مع تحذير الباحثين من محدودية جودة الأدلة وعدم كفايتها للوصول إلى استنتاج قاطع.
وتوضح هذه النتائج أن الزنك قد يكون مفيدًا في بعض الحالات، لكن تأثيره ليس مضمونًا لدى جميع الأشخاص، ولا يُعد علاجًا يقضي على نزلات البرد نهائيًا.

أقراص مصّ الزنك أم المكملات العادية؟
بحسب التقرير، يرى الدكتور هاري هيميلا، الباحث بجامعة هلسنكي في فنلندا، أن شكل الزنك المستخدم قد يؤثر في مدى الاستفادة منه.
وأوضح أن أقراص المصّ تذوب ببطء داخل الفم، ما يسمح بإطلاق الزنك في اللعاب وتعريض الفم والحلق له لفترة أطول، بينما تُبتلع الأقراص التقليدية بسرعة.
ويشير أحد التفسيرات المحتملة إلى أن وجود الزنك في الفم والحلق لفترة أطول قد يؤثر في قدرة الفيروسات المسببة لنزلات البرد على إصابة الخلايا والتكاثر، إلا أن آلية عمله الدقيقة لا تزال غير محسومة.
ولفت التقرير إلى أن بعض مستحضرات أقراص المصّ قد لا تحقق الفائدة نفسها، بسبب انخفاض كمية الزنك الموجودة بها أو احتوائها على مكونات مثل حمض الستريك، الذي قد يؤثر في فاعليته وفقًا لبعض التفسيرات البحثية.

ما الجرعة المناسبة من الزنك لعلاج نزلات البرد؟
ذكر التقرير أن الدكتور هيميلا يرى أن بعض الدراسات تشير إلى إمكانية الحاجة إلى نحو 100 ملليجرام من الزنك يوميًا، موزعة على عدة أقراص مصّ، لتحقيق أفضل النتائج في تقليل مدة نزلات البرد.
لكن هذه الكمية تتجاوز الحد الأعلى اليومي البالغ 25 ملليجرامًا الذي توصي به هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية «NHS» لمكملات الزنك، ما لم يوصِ الطبيب بخلاف ذلك.
ومن المهم عدم اعتبار جرعة 100 ملليجرام توصية عامة للاستخدام المنزلي. فالجرعات المرتفعة من الزنك قد تسبب الغثيان واضطرابات المعدة، كما أن تناول كميات كبيرة لفترات طويلة قد يعيق امتصاص النحاس، وهو ما قد يؤدي إلى فقر الدم ومشكلات عصبية.
لذلك، ينبغي عدم تناول جرعات مرتفعة من الزنك لعلاج نزلات البرد دون استشارة الطبيب أو الصيدلي، مع الانتباه إلى كمية الزنك الموجودة في جميع المكملات التي يتناولها الشخص.

متى يجب تناول الزنك عند الإصابة بالبرد؟
بحسب الدكتور هيميلا، تشير بعض الدراسات إلى أن الفائدة المحتملة للزنك تكون أكبر عندما يبدأ استخدامه خلال أول 24 ساعة من ظهور أعراض نزلات البرد.
ومع ذلك، فإن سرعة بدء الاستخدام لا تضمن الاستفادة، خاصة أن نتائج الأبحاث تختلف بحسب نوع المستحضر والجرعة وطريقة الاستخدام، فضلًا عن اختلاف الأدلة العلمية المتاحة.

لماذا لا ينصح جميع الأطباء باستخدام الزنك؟
رغم النتائج التي تشير إلى فائدة محتملة، لا يتفق الخبراء على أن الأدلة كافية للتوصية بالزنك لجميع المصابين بنزلات البرد.
وقال الدكتور دين إيغيت، طبيب عام بهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، إن هناك بعض الأدلة على إمكانية تقليل الزنك عدد أيام الإصابة، لكن الأبحاث ليست قوية بما يكفي للجزم بأنه فعال في جميع الحالات.
كما أوضح البروفيسور دانيال ديفيس، أستاذ علم المناعة بكلية إمبريال كوليدج لندن، أن نتائج الدراسات متباينة؛ إذ تشير بعض الأبحاث إلى وجود فائدة، بينما لا تجد أبحاث أخرى تأثيرًا واضحًا.
وأضاف أن معظم الأشخاص يحصلون على احتياجاتهم من الزنك من خلال النظام الغذائي المعتاد، إذ يوجد في أطعمة مثل اللحوم والجبن والخبز والحبوب.
وشدد الخبراء على أهمية الاهتمام بالصحة العامة لدعم وظائف الجهاز المناعي، من خلال النوم الجيد وتقليل التوتر وممارسة النشاط البدني بانتظام، مع تجنب التمارين الشاقة أثناء الإصابة بنزلة برد.

بخاخ الزنك أم بخاخ المحلول الملحي؟
تناول التقرير أيضًا بخاخ الأنف «Vicks First Defence»، الذي يُسوَّق للمساعدة على الحد من تطور نزلات البرد عند استخدامه في بداية ظهور الأعراض.
وأشار إلى تجربة سريرية كبيرة قادها باحثون من جامعتي ساوثهامبتون وبريستول، وقارنت بين هذا البخاخ وبخاخ المحلول الملحي والرعاية المعتادة.
ووجدت الدراسة أن استخدام بخاخ «Vicks First Defence» أو بخاخ المحلول الملحي ارتبط بتقليل مدة المرض التنفسي بنحو 20% مقارنة بالرعاية المعتادة.
وبلغ متوسط مدة المرض 8.2 أيام لدى مجموعة الرعاية المعتادة، مقابل 6.5 أيام لدى مستخدمي بخاخ «Vicks First Defence». وأظهر بخاخ المحلول الملحي نتائج مماثلة، مع آثار جانبية أقل.
وأوضح البروفيسور بول ليتل، من جامعة ساوثهامبتون وقائد الدراسة، أن بخاخ المحلول الملحي حقق فائدة مماثلة للبخاخ التجاري، بينما ارتبط البخاخ التجاري بزيادة بسيطة في الإبلاغ عن الصداع.
وتشير هذه النتائج إلى أن الفائدة لا يمكن نسبتها بالضرورة إلى الزنك وحده، إذ قد يساعد المحلول الملحي على غسل جزيئات الفيروسات من الأنف، بينما تعتمد تركيبة البخاخ التجاري على مكونات أخرى يُفترض أنها تساعد على احتجاز الفيروسات وتعطيلها.

كيف تتعامل مع نزلات البرد بطريقة صحيحة؟
أكد الخبراء أن الجهاز المناعي هو المسؤول عن التخلص من العدوى، بينما تساعد العلاجات المتاحة غالبًا على تخفيف الأعراض أو تقليل مدة المرض في بعض الحالات، ولا يوجد علاج سحري يوقف نزلة البرد فور ظهورها.
ومن أهم النصائح التي أشار إليها التقرير:
ـ الحصول على قسط كافٍ من الراحة والنوم.
ـ شرب السوائل بانتظام.
ـ الحفاظ على الدفء خلال فترة المرض.
ـ تناول غذاء متوازن يوفر العناصر الغذائية اللازمة للجسم.
ـ تجنب التمارين الرياضية الشاقة أثناء الإصابة.
ـ استشارة الطبيب أو الصيدلي قبل تناول جرعات مرتفعة من مكملات الزنك.
وفي النهاية، قد تساعد بعض مستحضرات الزنك في تقليل مدة نزلات البرد، لكن الفائدة المحتملة تعتمد على عوامل متعددة، ولا تزال الأدلة العلمية غير حاسمة. كما أن الإفراط في تناول الزنك قد يسبب أضرارًا صحية، لذلك لا ينبغي استخدام الجرعات المرتفعة دون إشراف طبي.

