لم يعد ظهور القرش الحوتي في مياه البحر الأحمر مجرد مشهد نادر تتسابق عدسات الغواصين لتوثيقه؛ فخلف الصورة التي تجذب الأنظار يقف تحدٍ بيئي وسياحي مهم: “كيف يمكن إتاحة الفرصة للزائرين لمشاهدة أحد أضخم الكائنات البحرية في العالم، دون تحويل وجوده في بيئته الطبيعية إلى تجربة مرهقة تهدد سلامته؟”.
«بهلول»، الاسم الذي يعرف به الغواصون والصيادون القرش الحوتي، عاد إلى دائرة الاهتمام بعد رصده في منطقة الجفتون، بين محاويش وأبو رمادة، خلال إحدى الدوريات البحرية المعنية برصد الحياة البحرية وحمايتها.
وأعاد ظهوره طرح تساؤلات حول طبيعة وجود هذا النوع في مياه البحر الأحمر، ومدى الحاجة إلى تعزيز إجراءات حمايته مع تزايد اهتمام السياح بمشاهدته وتصويره.
عملاق لا يصطاد البشر.. لكنه يحتاج إلى مساحة آمنة
على الرغم من حجمه الهائل، فإن القرش الحوتي لا يمثل بطبيعته خطرًا على الإنسان؛ فهو يعتمد على ترشيح المياه للحصول على العوالق والكائنات البحرية الصغيرة، ويُصنف ضمن الكائنات المسالمة التي تجذب اهتمام الباحثين ومحبي الحياة البحرية.
ويوضح الدكتور أحمد وهب الله، مدير معهد علوم البحار، أن القرش الحوتي يُعد أكبر أنواع الأسماك المعروفة في العالم، إذ يمكن أن يصل طوله إلى نحو 12 مترًا، وقد يتجاوز وزنه 20 طنًا.
لكن ضخامة حجمه لا تعني أن الاقتراب منه أمر بلا مخاطر، سواء على الإنسان أو على الحيوان نفسه. فمطاردته بالقوارب، أو محاولة لمس جسمه، أو اعتراض طريقه للحصول على صورة قريبة، كلها ممارسات تتعارض مع قواعد التعامل المسئول مع الحياة البحرية.
ويشدد وهب الله على أن تكرار مشاهدات القرش الحوتي في مواقع مختلفة من البحر الأحمر يستحق الدراسة، لكنه لا يكفي بمفرده للقول إن المنطقة أصبحت موطنًا دائمًا لهذا النوع؛ إذ يتطلب الوصول إلى هذه النتيجة بيانات علمية ممتدة توضح أنماط حركته ومواسم ظهوره.
ماذا تكشف مشاهداته المتكررة؟
رُصد القرش الحوتي في مناطق متعددة من البحر الأحمر، من بينها الغردقة وسفاجا ومرسى علم، وهو ما يمنح الباحثين فرصة لجمع معلومات عن تحركاته والظروف المرتبطة بظهوره.
ويؤكد الدكتور محمود دار، مدير معهد علوم البحار والمصايد بالغردقة الأسبق، أن أهمية القرش الحوتي تتجاوز كونه أحد الكائنات التي تثير إعجاب الغواصين؛ فوجوده يسلط الضوء على ثراء التنوع البيولوجي في البحر الأحمر، ويعزز الحاجة إلى حماية النظم البيئية التي تعتمد عليها الكائنات البحرية.
ويرى دار أن حماية هذا النوع لا تتوقف عند منع صيده أو إيذائه بصورة مباشرة، بل تشمل أيضًا الحد من التلوث، والحفاظ على بيئته الطبيعية، ونشر الوعي بين العاملين في الأنشطة البحرية والسائحين والغواصين.
كما تمثل التغيرات المناخية والضغوط الواقعة على النظم البيئية البحرية تحديات تستدعي استمرار أعمال الرصد والتعاون بين الباحثين والجهات المعنية ومراكز الغوص، للوصول إلى فهم أدق للظروف التي تتحرك فيها هذه الكائنات.
قواعد الاقتراب من «بهلول».. الصورة ليست أهم من سلامته
مع تزايد الاهتمام بمشاهدة القرش الحوتي، تصبح طريقة التعامل معه عاملًا حاسمًا في الحفاظ عليه. فالمشكلة لا تكمن في وجود الغواصين أو السياح بالقرب منه في حد ذاته، وإنما في السلوك الذي قد يحول المشاهدة إلى مطاردة أو ضغط على الحيوان.
وتشدد الإرشادات المنسوبة إلى محميات البحر الأحمر بشأن التعامل مع القرش الحوتي على ضرورة عدم لمسه أو مطاردته أو محاصرته بالقوارب، وتجنب السباحة أمامه أو قطع مساره، فضلًا عن الامتناع عن استخدام الفلاش أو القيام بحركات قد تزعجه.
وتتضمن التعليمات الواردة في الواقعة الحفاظ على مسافة لا تقل عن ثلاثة أمتار من مقدمة السمكة وأربعة أمتار من خلفها، مع الالتزام بتوجيهات مسئولي المحميات البحرية ومراكز الغوص، وتجنب تجمع الأشخاص حوله أو محاولة إبقائه في مكان محدد.
وتحمل هذه القواعد رسالة واضحة للعاملين في السياحة البحرية: نجاح الرحلة لا يقاس بمدى قرب الكاميرا من الحيوان، بل بقدرة الزائر على مشاهدته دون التأثير في سلوكه الطبيعي.
من مشهد استثنائي إلى فرصة للسياحة المستدامة
ولا تقتصر أهمية ظهور «بهلول» على الجانب البيئي، إذ يمكن لمشاهدة الكائنات البحرية في موائلها الطبيعية أن تدعم السياحة القائمة على المعرفة واحترام الطبيعة، وتمنح المقصد السياحي تجربة مختلفة عن الأنشطة التقليدية.
ويؤكد الخبير السياحي عصام علي أن مشاهدة القرش الحوتي تمثل فرصة لتعزيز السياحة البيئية بالبحر الأحمر، لكنها تضع مسؤولية مباشرة على منظمي الرحلات ومراكز الغوص، لضمان تقديم تجربة آمنة تقوم على التوعية والالتزام، وليس على مطاردة الكائنات البحرية أو الاقتراب المفرط منها.
ويشمل ذلك تدريب المرشدين البحريين على قواعد التعامل مع الأنواع الحساسة، وتوعية السائحين قبل بدء الرحلات، وتشجيع توثيق المشاهدات والإبلاغ عنها بما يدعم جهود البحث العلمي، إلى جانب تطبيق الضوابط المنظمة للأنشطة البحرية.
حماية الحياة البحرية تبدأ من طريقة مشاهدتها
إن ظهور القرش الحوتي في مياه البحر الأحمر يفتح نافذة مهمة لفهم التنوع البيولوجي الذي تتمتع به المنطقة، لكنه يطرح في الوقت نفسه مسئولية تتجاوز حدود الجهات الرقابية والباحثين، لتشمل كل من يعمل في السياحة البحرية أو يشارك في رحلات الغوص.
فكل مشاهدة موثقة يمكن أن تضيف معلومة مفيدة للباحثين، وكل رحلة تلتزم بقواعد الحماية تسهم في ترسيخ ثقافة السياحة المسئولة.
أما ترك الكائنات البحرية تحت ضغط المطاردة والتجمعات العشوائية من أجل الصور، فقد يحول مصدر الجذب السياحي إلى عبء على البيئة التي تمنحه قيمته.
ويبقى التحدي الحقيقي هو أن يظل «بهلول» قادرًا على التحرك بحرية في مياه البحر الأحمر، بينما يستمتع الزائرون بمشاهدته من مسافة آمنة؛ فحماية الطبيعة ليست عائقًا أمام السياحة، بل أحد أهم أسباب استمرار جاذبيتها.



