قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

"تنور الطين" .. خبز بطعم التاريخ يقاوم التكنولوجيا في العراق


بعد عقد من الغزو الأمريكي للعراق وانفتاح أسواق البلاد على العالم الخارجي وجد العراقيون بدائل للكثير من الأدوات المنزلية العتيقة التي قضوا معها سنوات، لكن ذلك لم يقض على جميع ما توارثوه كما الحال مع "تنور الطين" الذي يصنعون فيه خبزا بطعم التاريخ.
ويصنع "تنور الطين" من أنواع معينة من الرمال التي تخلط بالملح والتبن والماء وتترك عدة أيام حتى تجف قبل تشكيل "التنور" الذي يصنع فيه الخبز ويترك بعض الوقت في الشمس ليجف تماما، ورغم أنه يعود لقرون طويلة في البلاد، لكنه اشتهر بدرجة كبيرة إبان سنوات الغزو وقبلها الحصار حيث كثرت ظاهرة انقطاع الكهرباء، وهو ما جعل منه بديلا جيدا لأنه لا يحتاج سوى أخشاب أو فحم.
ويقول المواطن مرتضى فاتح، وهو خباز في كركوك منذ 13 سنة، "هناك إقبال كبير من المواطنين على شراء خبز تنور الطين ويفضلونه على أنواع الخبز الأخرى، لأن له نكهة وطعما خاصا".
فريال صبري عجوز تسكن مدينة "كركوك" شمالي العراق، في الحادية والستين من العمر، تقول إنها "تفتخر بتنورها الطيني الذي أمضى معها السنة السابعة".
وأضافت لمراسل الأناضول "أطعمت أطفالي صغارا حتى باتوا رجالا ونساء من خبز التنور، كما أنني أخبزه وأبيعه، ولم استعمل الأجهزة الحديثة في صناعة الخبز رغم توفرها وقد استهلكت ثمانية تنانير طينية في حتى اليوم".
وتمضي فريال وهي تقول مبتسمة "لا يوجد خبز في كل العالم أطيب وأذ وذي رائحة زكية كـخبز التنور الطيني".
بدورها، قالت ابنتها أسماء، أثناء انشغالها بأعداد عجين الدقيق، إن "خبز التنور الطيني يتميز بطعمه اللذيذ الذي لا يوفره التنور الذي يعمل بالغاز أو الكهربا، غازي، أملك واحدا، لكنني لا أستعمله إلاّ في حالات أكون مضطرة".
في محافظة كركوك، 250 كم شمال العاصمة بغداد، تشكل أشهر الصيف (يونيو/حزيران يوليو/ تموز، أغسطس/ آب)، فرصة لصانعي تنانير الطين لصناعة عدد كبير منها وعرضها تحت حرارة الشمس اللاهبة والتي تصل إلى 50 درجة مئوية لتجف سريعا وبشكل تام.
وتحدث فارس عبد الجليل ، وهو أحد صناع التنانير الطينية في كركوك، ويزاول هذه المهنة منذ أكثر من خمسة عشر سنة، عن كيفية صنع التنانير وتوزيعها، قائلا "نقوم بجلب الرمل الحر من منطقة ليلان 25 كم شمال شرق كركوك، ونصنع عجينة تتكون من الرمل الحر والملح والتبن والماء تمزج بشكل جيد وتترك لمدة ثلاثة أيام لتتخمر جيدا، وهو يزيد من عمر التنور ومقاومته، اما إذا قمنا بصنع التنور من دون ترك العجينة تختمر فلن يقاوم التنور سوى عدة أشهر".
وأضاف عبد الجليل أن "كركوك تشتهر بصنع التنانير بسبب نوعية التراب في كركوك التي تحتوي على مادة نفطية، وعند استخدامه في صنع التنور لا يتأثر التنور بالنار ولا يستهلك بسرعة".
وبحسب "أبومحمد"، صانع التنانير الطينية، فإن هذه المهنة موجودة في كركوك منذ قرون، موضحا أن العمر الافتراضي للتنور يستمر نحو 5 سنوات، وتستغرق مدة صناعته تسعة أيام في المتوسط".
وأضاف أن الإقبال على شراء التنانير الطينية في كركوك كبير للغاية، والمبيعات لا تقتصر على أهالي كركوك فقط، وهناك إقبال متزايد من مدن محافظات عدة مثل أربيل، السليمانية، الموصل، تكريت، والأنبار وغيرها من مناطق الجنوب حيث يستخدم أيضا لشوي الأسماك والدجاج.
وأوضح أن أسعار "التنانير الطينية" تتراوح بين 50- 130 ألف دينار ( 43 - 113 دولارا أمريكيا)، وفق الأحجام والأشكال، كما ان هناك "تنانير" للخبز وأخرى لشوي الدجاج والأسماك.
وللكثير من العراقيين، خلال فترة العقوبات الاقتصادية الدولية التي فرضها مجلس الأمن عقب غزو الجيش العراقي الكويت في سنة 1990، ذكريات مع "التنور الطيني"، حيث دفعتهم الظروف الصعبة الى صناعة الخبز في منازلهم بواسطة "التنور" لأن تسخينه لصنع الخبز فيه لن يحتاج لكهرباء أو وقود بل بالأخشاب وقطع الأشجار التي كانت في متناول اليد.
"مروة عماد" - 36 سنة من سكان كركوك - تعلق على ذكرياتها مع "التنور الطيني" قائلة "صحيح هناك صعوبة في صنع الخبز في التنور الطيني هذه الأيام مع وفرة الآلات الحديثة السريعة والسهلة كالأفران الكهربائية، لكن لا ننسى فائدة التنور الطيني للمواطنين في كركوك في أيام العوز والمحن، فبعد عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق ساءت أحوالنا، فكنا نجمع الأخشاب لتسخين التنور الطيني وصناعة الخبز".