في شهر يوليو عام 2025، تحولت منطقة الممشى السياحي بمدينة السادس من أكتوبر إلى مسرح لجريمة هزت الرأي العام، بعدما سقطت سيدة قتيلة برصاص طليقها، أمام أعين المارة.
لم تكن الواقعة مجرد جريمة قتل عادية، بعدما تبين أن المتهم قاض سابق تحولت حياته من فوق منصة القضاء إلى الكلبشات وقفص الاتهام، لتشغل الرأي العام لأشهر طويلة حتى أسدلت محكمة جنايات الجيزة الستار عليها بالحكم بالسجن المؤبد على المتهم.
3 رصاصات أنهت خلاف سنوات
البداية كانت مع خلافات أسرية امتدت لسنوات بين القاضي السابق وطليقته، بعد انفصالهما وإنهاء العلاقة الزوجية، ورغم الطلاق، استمرت النزاعات بين الطرفين بشأن الأطفال والنفقات والقضايا المتبادلة، حسب ما جاء في التحقيقات وأقوال الطرفين أمام جهات التحقيق والمحكمة.
وكشفت التحقيقات أن الخلافات لم تتوقف بمرور الوقت، بل تصاعدت بصورة مستمرة، حتى وصلت إلى نقطة اللاعودة. ووفقًا لما توصلت إليه النيابة العامة، بدأ المتهم قبل الجريمة بفترة في مراقبة تحركات طليقته وتتبعها بصورة منتظمة.
وفي يوم الواقعة، استقل المتهم سيارته وتتبع المجني عليها داخل مدينة السادس من أكتوبر لنحو نصف ساعة، حتى وصلت إلى منطقة الممشى السياحي.
وحسب ما ورد بأوراق القضية، أطلق عيارًا ناريًا في الهواء لتفريق المارة، ثم تقدم نحوها وأطلق عليها ثلاث رصاصات استقرت بجسدها، لتسقط قتيلة في الحال وسط حالة من الذهول بين المتواجدين بالمكان.
انتقلت قوات الأمن إلى موقع الحادث، وتم القبض على المتهم، فيما باشرت النيابة العامة التحقيقات التي انتهت إلى إحالته للمحاكمة الجنائية بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.
كنت قاضيا أصبحت متهما
ومع انطلاق جلسات المحاكمة، تحولت القضية إلى حديث الرأي العام، خاصة أن المتهم كان يشغل منصب قاضٍ قبل سنوات، ليجد نفسه فجأة داخل قفص الاتهام في جريمة قتل.
وخلال إحدى الجلسات التي حظيت باهتمام واسع، طلب المتهم التحدث أمام هيئة المحكمة، ووقف مخاطبًا القضاة قائلاً: "السادة الحضور الكرام.. أنا المتهم أمامكم اليوم.. كنتُ قاضيًا.. نعم أنا هو.. كان مكاني الطبيعي فوق المنصة.. أنطق بالأحكام.. وفجأة أصبحت داخل قفص الاتهام.. متهم في جريمة قتل طليقتي.. أم بناتي".
وأضاف: "أعلم أن ما حدث غيّر كل شيء، وأعلم أنني أقف الآن أمام عدالتكم أنتظر الحكم، لكن قبل أي شيء أنا أب، وبناتي هم الوجع الأكبر في حكايتي".
وتحدث المتهم عن الخلافات التي جمعته بطليقته بعد الانفصال، قائلاً إنها استمرت لسنوات طويلة، مشيرًا إلى أنه شعر بألم شديد عندما أخبرته إحدى بناته بأنها تكرهه، على حد قوله، مضيفًا: "كانت كلمة كسرتني وما زال صداها بداخلي حتى الآن".
واعترف أمام المحكمة بإطلاق النار على طليقته، قائلاً: "ربما أخطأت وربما ضعفت.. وفي لحظة غضب انتهى كل شيء.. أطلقت النار ثلاث مرات.. هي رحلت وأنا هنا.. والحياة بيننا انتهت إلى الأبد".
واختتم كلمته المؤثرة بقوله: "سيدي القاضي.. ما بين منصة القضاء وقفص الاتهام تبدلت الأدوار.. ضاعت حياة وتشردت قلوب.. وبنات لهن الله.. والكلمة الأخيرة لعدالة الأرض".
شهران تخطيط و5 أيام مراقبة
النيابة العامة واجهت هذه الرواية بمرافعة حاسمة، أكدت خلالها أن الجريمة لم تكن وليدة انفعال مفاجئ أو لحظة غضب كما حاول المتهم تصويرها، وإنما جاءت نتيجة تخطيط وإصرار مسبق.
وقال ممثل النيابة العامة أمام المحكمة إن المتهم ظل يفكر في التخلص من طليقته لمدة شهرين كاملين، بينما أمضى الأيام الخمسة الأخيرة قبل الواقعة في مراقبتها وتتبع تحركاتها بشكل يومي، حتى تمكن من اختيار التوقيت والمكان المناسبين لتنفيذ جريمته.
وأضاف أن المتهم كان يجلس يوميًا في مقهى مقابل منزل المجني عليها، يراقب تحركاتها ويحفظ مواعيد خروجها وعودتها، مؤكدًا أن جميع الأدلة والشهادات وتحريات المباحث وتقارير الطب الشرعي أثبتت توافر نية القتل وسبق الإصرار والترصد.
وخلال جلسات المحاكمة ظهرت شهادات أثارت جدلًا واسعًا، من بينها شهادة صديقة للمجني عليها، أكدت فيها أن الضحية تعرضت لتهديدات متكررة بالقتل قبل وقوع الجريمة، وأنها كانت تعيش تحت ضغوط نفسية كبيرة بسبب الخلافات المستمرة مع طليقها.
هي رحلت و أنا هنا
وقالت إن المتهم كان يرفض فكرة ارتباط المجني عليها أو زواجها مرة أخرى بعد الطلاق، رغم أنه تزوج وأنجب طفلًا آخر، مشيرة إلى وجود وقائع سابقة تضمنت تهديدات وإيذاء نفسي، وفق روايتها.
وبعد شهور من جلسات المحاكمة والاستماع إلى الشهود ومرافعات الدفاع والنيابة وفحص الأدلة الفنية، أصدرت محكمة جنايات الجيزة حكمها النهائي بمعاقبة القاضي السابق بالسجن المؤبد، بعد إدانته بقتل طليقته عمدًا مع سبق الإصرار والترصد.