مثّلت ثورة 30 يونيو محطة فارقة في التاريخ المصري الحديث، وشكّلت نقطة تحول كبرى سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وانعكست آثارها بوضوح على مختلف أشكال الإبداع الفني، وفي مقدمتها الدراما المصرية التي اضطلعت بدور مهم في توثيق تلك المرحلة ورصد تداعياتها، من خلال أعمال تناولت الأحداث والوقائع وكشفت التحديات والمؤامرات التي واجهتها الدولة المصرية.
وبرزت الثورة وتداعياتها في عدد من الأعمال الفنية التي تناولت تلك الفترة من زوايا متعددة، وفي مقدمتها مسلسل «الاختيار 3 – القرار»، الذي يعد من أبرز الأعمال الدرامية التي وثقت كواليس الأيام الأخيرة لحكم جماعة الإخوان، واستعرضت المشهد السياسي المعقد آنذاك، إلى جانب نزول ملايين المصريين إلى الشوارع في 30 يونيو ودور القوات المسلحة في حماية الدولة والاستجابة لإرادة الشعب.
وقالت الناقدة الفنية ولاء عمران ـ في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط - إن الحديث عن دراما 30 يونيو لا يقتصر على أعمال تناولت حدثاً سياسياً أو مرحلة تاريخية بعينها، بل يتعلق بأعمال حملت على عاتقها مهمة توثيق الوعي الوطني وكشف العديد من التفاصيل التي كانت غائبة عن الجمهور.
وأضافت أن أهمية هذه الأعمال تنبع من كونها لم تكتفِ بسرد الوقائع، بل سعت إلى تقديم صورة أشمل لما تعرضت له مصر من تحديات ومخططات استهدفت استقرارها وهويتها الوطنية، مشيرة إلى أن مسلسل «الاختيار» بأجزائه المختلفة يمثل نموذجاً بارزاً في هذا السياق، لما قدمه من شخصيات وأحداث حقيقية ارتبطت بمرحلة شديدة الحساسية، فضلاً عن كشفه حجم المواجهة التي خاضتها الدولة المصرية ضد الإرهاب والفوضى.
وأكدت عمران أن العمل نجح في الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور بفضل اعتماده على رصد الواقع وتقديمه بصورة درامية مؤثرة، لافتة إلى أن أعمالاً أخرى مثل «هجمة مرتدة» و«القاهرة كابول» أسهمت بدورها في تناول قضايا التطرف والجماعات الإرهابية والحروب الفكرية التي واجهتها مصر والمنطقة العربية.
وأوضحت أن هذه الأعمال لم تطرح القضية باعتبارها صراعاً أمنياً فحسب، بل باعتبارها معركة وعي وفكر وهوية، الأمر الذي منحها أبعاداً أعمق من مجرد استعراض الأحداث المباشرة.
وأشارت إلى أن التأثير الحقيقي لهذه الأعمال يتمثل في إعادة الاعتبار لفكرة الدراما الوطنية بوصفها إحدى أدوات القوة الناعمة المصرية، حيث أسهمت في تشكيل وعي قطاع كبير من الشباب الذين لم يعاصروا تلك الأحداث أو لم يلموا بكامل تفاصيلها وخلفياتها.
وشددت على أن نجاح هذا النوع من الدراما يظل مرهوناً بقدرته على تحقيق التوازن بين الرسالة الوطنية والقيمة الفنية، مؤكدة أن الجمهور يتفاعل بصورة أكبر مع الأعمال التي تقدم شخصيات واقعية وصراعات إنسانية صادقة، وهو ما يجعل الجمع بين التوثيق والإبداع العامل الأهم في بقاء هذه الأعمال في الذاكرة.
من جانبه، أكد الناقد الفني مصطفى الكيلاني رئيس رابطة كتاب ونقاد الفن بنقابة الصحفيين المصريين، أنه لا يمكن الحديث عن ثورة 30 يونيو بمعزل عن الدور الذي لعبته القوة الناعمة المصرية في توثيق تلك المرحلة المفصلية من تاريخ الوطن.
وقال الكيلاني، في تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط، إن الفن المصري ظل، عبر تاريخه الطويل، شاهداً على التحولات الكبرى التي مرت بها الدولة والمجتمع، ولذلك كان من الطبيعي أن تجد أحداث 30 يونيو صداها في السينما والدراما والأغنية الوطنية والبرامج الوثائقية.
وأضاف أن المبدعين المصريين أدركوا منذ اللحظة الأولى أن ما جرى في 30 يونيو لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل لحظة تاريخية أعادت صياغة المشهد المصري بأكمله، وهو ما انعكس على العديد من الأعمال الفنية التي سعت إلى توثيق تلك المرحلة وتقديمها للأجيال الجديدة من منظور فني وإنساني ووطني.
وأشار الكيلاني إلى أن الدراما المصرية لعبت دوراً محورياً في هذا السياق، ليس فقط من خلال تناول الأحداث بشكل مباشر، وإنما أيضاً عبر طرح القضايا المرتبطة بالحفاظ على الدولة الوطنية ومواجهة التطرف الفكري وكشف المخاطر التي قد تتعرض لها المجتمعات عندما تقع فريسة لجماعات تسعى إلى توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية.
وأوضح أن العديد من الأعمال الفنية نجحت في تقديم هذه القضايا بصورة جذبت الجمهور وفتحت باب النقاش العام، مؤكداً أن الدراما حين تكون صادقة مع لحظتها التاريخية تتحول من مجرد وسيلة ترفيه إلى وثيقة تحفظ الذاكرة الوطنية.
ولفت إلى أن السينما المصرية كان لها حضور بارز كذلك، من خلال أفلام ووثائقيات تناولت بطولات المصريين وإرادتهم في الدفاع عن هويتهم الوطنية، وسلطت الضوء على تضحيات مؤسسات الدولة وأبنائها في مواجهة الإرهاب الذي تصاعد عقب تلك الأحداث.
وأكد الكيلاني أن الأغنية الوطنية أدت دوراً مهماً خلال تلك المرحلة، حيث عبرت عن نبض الشارع المصري ومشاعر المواطنين، وجسدت حالة الاصطفاف الوطني التي شهدتها البلاد، لتصبح جزءاً أصيلاً من الوجدان المرتبط بتلك الفترة التاريخية.
وشدد على أن القيمة الحقيقية لفن ودراما 30 يونيو لا تكمن فقط في توثيق الأحداث، بل في الحفاظ على الذاكرة الوطنية من التشويه أو النسيان، موضحاً أن الأمم التي لا توثق لحظاتها التاريخية الكبرى تترك المجال للروايات المغلوطة لتحل محل الحقائق.
واختتم الكيلاني تصريحاته بالتأكيد على أن الفن ليس ترفاً، بل أداة فاعلة لبناء الوعي وصون الذاكرة الوطنية، مشيراً إلى أن القوة الناعمة المصرية كانت وستظل شريكاً أساسياً في توثيق تاريخ الوطن والدفاع عن قيمه وهويته، داعياً إلى مواصلة إنتاج الأعمال الفنية الجادة التي تتناول هذه المرحلة بعمق وموضوعية وإبداع.