تحتل مصر مكانة متقدمة عالميًا في إنتاج التمور، بإنتاج سنوي يقترب من مليوني طن، بما يمثل نحو خُمس الإنتاج العالمي، وهو ما يعكس أهمية هذا القطاع باعتباره أحد القطاعات الزراعية الواعدة القادرة على دعم الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتعزيز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
تعظيم العائد الاقتصادي من التمور يتطلب التوسع في التصنيع والتعبئة والتغليف
وعلى الرغم من الصدارة المصرية في حجم الإنتاج، فإن تعظيم العائد الاقتصادي من التمور يتطلب التوسع في التصنيع والتعبئة والتغليف، وتحسين جودة المنتج، وزيادة القدرة التنافسية للتمور المصرية في الأسواق الخارجية، بما يضمن تحويل الوفرة الإنتاجية إلى عوائد تصديرية أكبر.
وتأتي مصر في صدارة الإنتاج العالمي، حيث تحتل المرتبة الأولى عالميًا في إنتاج التمور بإنتاج يتجاوز 1.8 مليون طن سنويًا وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو"، فيما تشير تصريحات رسمية مصرية إلى اقتراب الإنتاج من مليوني طن سنويًا، حيث تمتلك مصر تنوعًا واسعًا من أصناف النخيل والتمور، مع انتشار زراعتها في وادي النيل والدلتا والواحات والصعيد.
ويسهم القطاع في توفير فرص العمل للمزارعين والعمالة المرتبطة بالحصاد والفرز والتعبئة والتصنيع والتجارة، فضلًا عن دعم النشاط الاقتصادي في المناطق الريفية والواحات.
وتتنوع مناطق زراعة النخيل في مصر، بما يتيح إنتاج أصناف مختلفة تتناسب مع احتياجات السوق المحلية والأسواق التصديرية، ومن أبرزها: الوادي الجديد والواحات التي تشتهر بإنتاج التمور نصف الجافة، وعلى رأسها الصنف السيوي، الذي يمثل أحد الأصناف المهمة في تجارة التمور المصرية.
وسيوة ومطروح تتميزان بإنتاج التمور السيوية، التي ترتبط بالهوية الزراعية للواحة، وتمثل عنصرًا مهمًا في النشاط الاقتصادي المحلي.. وأسوان والأقصر وقنا تنتشر بها أصناف من التمور الجافة مثل: السكوتي والبرتمودا والملكابيب، بالإضافة الى الجيزة والدلتا تنتشر أصناف رطبة مثل: الزغلول والسماني والحياني، إلى جانب أصناف أخرى تخدم الاستهلاك المحلي.
وتُمثل الصادرات أحد أهم المسارات لتعظيم العائد من الإنتاج المحلي، وتشير بيانات قاعدة التجارة الدولية التابعة للبنك الدولي إلى أن مصر صدرت خلال عام 2025 نحو 39.4 ألف طن من التمور الطازجة أو المجففة بقيمة تقارب 146.9 مليون دولار.
ومن أبرز الأسواق المستوردة للتمور المصرية خلال العام نفسه هي المغرب بصادرات بلغت نحو 69.7 مليون دولار، وتركيا بصادرات بلغت نحو 30.7 مليون دولار، وإندونيسيا بصادرات بلغت نحو 20.7 مليون دولار، وبنجلاديش بصادرات بلغت نحو 6.9 مليون دولار وماليزيا بصادرات بلغت نحو 2.5 مليون دولار.
وتكشف هذه الأرقام عن أهمية عدد من الأسواق العربية والآسيوية في استيعاب التمور المصرية، إلى جانب الفرص المتاحة للتوسع في أسواق جديدة، كما تبرز ضرورة تنويع الأسواق وعدم الاعتماد على عدد محدود من الوجهات التصديرية.
ويمثل التوسع في الصناعات القائمة على التمور فرصة لتحويل جزء أكبر من الإنتاج الزراعي إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية أعلى، بدلًا من الاعتماد على بيع التمور في صورتها الأولية.
وتشمل أبرز مجالات التصنيع إنشاء وتطوير مصانع فرز التمور وتدريجها وتنظيفها وتعبئتها وفقًا للمواصفات المطلوبة في الأسواق، وإنتاج معجون التمور ودبس التمر والسكر المستخلص من التمور واستخدامها في الصناعات الغذائية، والتوسع في تصنيع منتجات التمور المحشوة والمعبأة، والمنتجات الموجهة للفنادق ومتاجر التجزئة والأسواق التصديرية، بجانب تطوير منظومة التخزين المبرد والتجميد والنقل للحد من الفاقد والحفاظ على جودة المنتج، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة العاملة في تصنيع التمور وتعبئتها، بما يتيح فرصًا استثمارية جديدة للمناطق المنتجة.
وفي إطار تطوير سلسلة القيمة للتمور، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" بالتعاون مع الجهات المصرية المعنية، برامج لتدريب العاملين على الممارسات الجيدة للحصاد وما بعد الحصاد.
وشملت البرامج، وفقًا للفاو في أبريل 2026، 10 مواقع رئيسية للإنتاج والتصنيع استفاد منها 150 مشاركًا من المهندسين الزراعيين والمتخصصين في الجودة والعاملين بالمزارع ومراكز التعبئة والتصنيع.
وتركز هذه الجهود على تحسين أساليب الحصاد، وتقليل الأضرار التي تصيب الثمار، وتطوير عمليات الفرز والغسيل والتدريج والتعبئة والتخزين، إلى جانب تعزيز سلامة الغذاء والالتزام بالاشتراطات الفنية المطلوبة في الأسواق المحلية والدولية.
وتسهم مهرجانات التمور المصرية، وفي مقدمتها مهرجان سيوة الدولي للتمور، في إبراز التنوع الذي تتمتع به مصر في هذا القطاع، والتعريف بالأصناف المحلية، وتكريم المنتجين المتميزين، وفتح قنوات للتواصل بين المزارعين والمصنعين والمصدرين والمستثمرين.
فرصة لتبادل الخبرات الفنية والترويج للمنتجات المصرية
كما تمثل هذه الفعاليات فرصة لتبادل الخبرات الفنية والترويج للمنتجات المصرية، وتشجيع الاستثمار في التصنيع والتعبئة والتغليف، ودعم العلامات التجارية المرتبطة بالمناطق المنتجة، بما يعزز مكانة التمور المصرية في الأسواق.
وعلى الرغم من ضخامة الإنتاج، فإن تعظيم الاستفادة الاقتصادية من القطاع يتطلب التعامل مع مجموعة من التحديات، أبرزها: رفع جودة الثمار وتقليل الفاقد خلال الحصاد والنقل والتخزين، وزيادة الاستثمارات في مصانع التصنيع والتعبئة والتبريد، وتحسين مواصفات المنتج النهائي بما يتوافق مع متطلبات الأسواق الدولية، والتوسع في الأصناف عالية القيمة التي تلائم الطلب التصديري، وتعزيز التسويق الخارجي وبناء علامات تجارية مصرية قادرة على المنافسة، وتوفير التدريب الفني والتمويل اللازم للمزارعين والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة والري ومكافحة الآفات وإدارة المخلفات الزراعية.
وتمتلك مصر قاعدة إنتاجية قوية تمنحها ميزة تنافسية في قطاع التمور، لكن الحفاظ على الصدارة الإنتاجية وتعظيم العائد منها يرتبطان بقدرة القطاع على الانتقال من التركيز على حجم الإنتاج إلى تحسين الجودة والتصنيع والتسويق والتصدير.
ومن شأن تكامل جهود الدولة والمزارعين والمصنعين والمصدرين أن يدعم تحويل التمور المصرية إلى قطاع أكثر قدرة على جذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، وزيادة القيمة المضافة، وتعزيز مساهمة الصادرات الزراعية في الاقتصاد الوطني.

