أكد محمد أحمد اليماحي، رئيس البرلمان العربي ورئيس لجنة فلسطين، أن إحياء ذكرى ضحايا جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبها كيان الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني لا يقتصر على استحضار أرواح الشهداء، وإنما يجدد الالتزام بالدفاع عن حقوقهم، ومواصلة العمل من أجل تحقيق العدالة ومحاسبة المسئولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم.
جاء ذلك في كلمته خلال الفعالية التي أُقيمت بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة، بحضور السفير فائد مصطفى، الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، والسفير مهند العكلوك، مندوب دولة فلسطين الدائم لدى الجامعة.
واستحضر اليماحي أرواح آلاف الشهداء الفلسطينيين، وفي مقدمتهم من ارتقوا في 17 أكتوبر 2023 في مجزرة المستشفى الأهلي العربي «المعمداني» في مدينة غزة، التي استشهد فيها أكثر من 700 فلسطيني خلال أقل من 24 ساعة.
ووصفها بأنها من أبشع صور استهداف المدنيين، وبأنها كشفت حجم المأساة الإنسانية والاستخفاف بحرمة النفس البشرية وقواعد القانون الدولي الإنساني.
وشدد على أن الشهداء ليسوا مجرد أرقام في سجل المأساة، بل أصحاب حقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الجرائم المرتكبة بحقهم لا يجوز أن تُطوى صفحاتها قبل تحقيق العدالة ومحاسبة المسئولين عنها.
وأعلن رئيس البرلمان العربي دعم البرلمان الكامل لمقترح السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لفلسطين لدى الجامعة، باعتماد تسمية وتوصيف قانوني لجريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، وتخصيص 17 أكتوبر من كل عام لاستذكار ضحاياها وتخليد ذكراهم في الوعي العربي والدولي.
وأكد أن اعتماد هذا اليوم يتجاوز بُعده الرمزي، ليمثل موقفًا سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا في مواجهة محاولات طمس الحقيقة وتغييب الضحايا، وخطوة نحو تثبيت الذاكرة الفلسطينية جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الإنسانية، ورسالة إلى العالم بأن هذه الجرائم لن تُمحى من الذاكرة ولن تسقط بالتقادم.
وأشار إلى أن توصيف هذه الجرائم يكتسب أهمية مضاعفة في ضوء ما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الصادر في 16 سبتمبر 2025، بشأن ارتكاب سلطات الاحتلال وقواته جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وضرورة الوفاء بالالتزامات الدولية لإنهائها ومحاسبة المسئولين عنها، وفقًا لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.
ورأى أن ذلك يضع المجتمع الدولي أمام مسئولية لا تحتمل التأجيل، وأن المطلوب لم يعد مجرد توثيق المأساة، بل اتخاذ خطوات عملية تضع حدًا للجرائم وتضمن المساءلة والعقاب.
محاسبة المسئولين عن الإبادة الجماعية
وأكد أن البرلمان العربي سيظل في مقدمة المؤسسات البرلمانية المدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني، انطلاقًا من مسئوليته في التعبير عن تطلعات الشعوب العربية والدفاع عن قضاياها العادلة.
وأوضح أنه حرص على توظيف أدوات الدبلوماسية البرلمانية لحشد المواقف الإقليمية والدولية المساندة لمسار العدالة والمساءلة، عبر اللقاءات الرسمية والفعاليات الدولية، وآخرها اجتماعات الجمعية الـ153 للاتحاد البرلماني الدولي في تنزانيا من 5 إلى 9 أكتوبر 2026، واللقاء مع رئيس مجلس العموم البريطاني ورئيس برلمان أمريكا اللاتينية.
كما أشار إلى رئاسته لجنة فلسطين بالبرلمان العربي وما صدر عنه من قرارات، وتوجيه خطابات رسمية إلى الأمم المتحدة والاتحادات والبرلمانات الإقليمية والدولية، لدعوتها إلى إحياء هذا اليوم سنويًا وتثبيت ذكرى الضحايا في الوعي العالمي، ودعم مسار المساءلة، وحفظ الأدلة والوثائق المتعلقة بالجرائم، وحشد الدعم البرلماني الدولي للاعتراف بحجمها، ومساندة المسارات القانونية لملاحقة المسئولين عنها أمام الجهات القضائية المختصة، وتوظيف جميع الأدوات البرلمانية للضغط من أجل إنهاء الإفلات من العقاب.
وشدد على أن تسمية الجرائم وتوثيقها جزء أساسي من مسار العدالة، وأن تحديد المسئولية الجنائية الفردية يظل من اختصاص الجهات القضائية المختصة، التي يجب تمكينها من أداء دورها باستقلالية، بعيدًا عن الضغوط السياسية والانتقائية في تطبيق القانون.
وجدد دعوة البرلمان العربي إلى الأمم المتحدة ومؤسسات المجتمع الدولي والدول الأطراف في الاتفاقيات ذات الصلة إلى الوفاء بالتزاماتها القانونية، والتعاون الكامل مع آليات التحقيق والجهات القضائية الدولية، وضمان حفظ الأدلة وحماية الشهود، وتمكين المحققين الدوليين من الوصول الآمن وغير المقيد إلى المواقع ذات الصلة، بما يكفل تحقيقات مستقلة ونزيهة وشفافة.
ودعا البرلمانات الوطنية والإقليمية والدولية إلى الانخراط الفاعل في هذا التحرك، واتخاذ مواقف واضحة إزاء الجرائم المرتكبة، ومساندة المسارات القانونية لمحاسبة المسئولين عنها، وتحويل التضامن البرلماني إلى ضغط سياسي ومؤسسي ملموس.
كما أكد ضرورة ضمان التدفق المستدام للمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون عوائق، وحماية المنشآت الطبية والإنسانية، ومعالجة التداعيات الإنسانية والاجتماعية الكارثية التي خلفها العدوان.
وقال إنه لا يمكن فصل الجرائم في غزة عن الانتهاكات المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس المحتلة، من توسع استيطاني ومصادرة للأراضي واعتداءات على المدنيين ومحاولات لفرض واقع جديد يقوض حقوق الشعب الفلسطيني ومستقبل دولته المستقلة.
وأضاف أن حماية الشعب الفلسطيني لا تتحقق بتدابير إنسانية مؤقتة فحسب، بل تتطلب معالجة جذور المأساة، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم الوطنية المشروعة.
وأكد أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية الأولى للأمة العربية، وأن البرلمان العربي سيظل صوتًا مدافعًا عن حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس.
وفي ختام كلمته، توجه بتحية إجلال لأرواح الشهداء وأسرهم والجرحى والمفقودين، وللشعب الفلسطيني الذي يواجه واحدة من أبشع المآسي الإنسانية ويتمسك بحقه في الحياة والحرية والكرامة رغم القتل والدمار والحصار والتهجير.
وأكد أن 17 أكتوبر لن يكون مجرد يوم لاستذكار الضحايا، بل عهدًا متجددًا بألا تُنسى الجرائم، وألا تُهدر حقوق الضحايا، وألا يُترك مرتكبوها بمنأى عن المحاسبة، داعيًا إلى أن تكون هذه الذكرى منطلقًا لتحرك دولي جاد يعيد للعدالة هيبتها وللقانون سلطته وللضحايا حقوقهم.






