تشهد عدة دول أوروبية موجة احتجاجات متصاعدة، تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع التوترات السياسية وتراجع الثقة في الحكومات، وسط مواجهات بين متظاهرين وقوات الشرطة، واعتقالات وأعمال تخريب في بعض المدن، بالتزامن مع تحركات للمطالبة بتحسين الخدمات العامة وخفض تكاليف المعيشة والسكن.
وامتدت الاحتجاجات خلال الأيام الأخيرة إلى فرنسا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا وبلجيكا وألبانيا، بينما شهدت اليونان تحركات للمطالبة بتحسين المعاشات.
وتفاوتت مطالب المحتجين من دولة إلى أخرى، لكن الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة على تحمل تكاليف الحياة برزت باعتبارها قاسمًا مشتركًا بين قطاعات من المشاركين، بالتوازي مع اتهامات للحكومات بالتقصير في معالجة الأزمات.

احتجاجات فرنسا.. من مطالب الطلاب إلى أعمال الشغب
شهدت فرنسا تصعيدًا لافتًا في الاحتجاجات التي بدأت بمطالب طلابية تتعلق بنقص المعلمين وتراجع ظروف التعليم، قبل أن تتسع لتشمل الاعتراض على ارتفاع تكاليف المعيشة وانتقادات للقيادة السياسية.
وتخللت التحركات أعمال عنف وتخريب ونهب في عدد من المدن، من بينها ليموج، حيث أُضرم حريق في مبنى البلدية وأدى إلى انهيار أجزاء منه، وفق التقارير الواردة عن الأحداث.
كما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والقنابل الصوتية لتفريق مجموعات من المتظاهرين.
وأثارت أعمال الشغب خلافًا سياسيًا بشأن المسئولية عنها، إذ اتهم مسئولون حكوميون مجموعات من اليسار المتشدد باستغلال الاحتجاجات الطلابية والتحريض على العنف، بينما رفضت قوى يسارية هذه الاتهامات، معتبرة أنها محاولة لتسييس المطالب الاجتماعية وتحويل الانتباه عن أسباب الغضب الشعبي.
وفي المقابل، طالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمراجعة الاستعدادات الأمنية، وسط تساؤلات بشأن قدرة الأجهزة المختصة على التعامل مع حجم الاضطرابات، خاصة أن بعض التحركات كان معلنًا عنها مسبقًا.
وتتزامن الأزمة مع استعداد فرنسا لانتخابات رئاسية مرتقبة، ما يضيف بُعدًا سياسيًا إلى المواجهة، إذ تتنافس القوى المختلفة على تقديم نفسها باعتبارها الأقدر على استعادة الأمن والاستجابة لمطالب المواطنين.
إيطاليا والبرتغال.. الغلاء وأزمة السكن في صدارة المشهد
في إيطاليا، شهدت ميلانو مواجهات بين الشرطة ومحتجين على تراجع الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة، وتخللت الأحداث عمليات تخريب ونهب وإشعال حرائق في حاويات القمامة، فيما أعلنت السلطات توقيف مئات الأشخاص على خلفية الاضطرابات، وفق البيانات الواردة عن الأحداث.
وامتدت التحركات الإيطالية إلى قطاعات اقتصادية أخرى، إذ استمر احتجاج سائقي الشاحنات في مناطق بجنوب البلاد، مع إغلاق منافذ طرق سريعة ومداخل موانئ، وتنظيم مسيرات بالجرارات اعتراضًا على ارتفاع تكاليف الوقود.
وأثرت اضطرابات النقل والشحن في إمدادات بعض المناطق، وسط تقارير عن نقص مواد غذائية ووقود في جزيرتي إسكيا وبروتشيدا، ما دفع جهات معنية بالنقل البحري إلى المطالبة بخطط طوارئ لتجنب تعطيل الرحلات.
وأعلنت الحكومة الإيطالية، في المقابل، إتاحة نحو 480 مليون يورو لتغطية طلبات دعم سابقة مرتبطة بقطاع النقل، إلى جانب تخصيص موارد إضافية، في محاولة للتعامل مع مطالب العاملين وتداعيات ارتفاع التكاليف.
أما في البرتغال، فتصدرت أزمة السكن وارتفاع الإيجارات مطالب المحتجين، الذين نصبوا خيامًا في ساحات عامة بالعاصمتين لشبونة وبورتو، مطالبين بإجراءات أكثر فاعلية لمواجهة صعوبة الحصول على مسكن بأسعار مناسبة.
وأخلت الشرطة اعتصامين في المدينتين، وأعلنت اعتقال 55 شخصًا في إحدى عمليات الإخلاء بتهم تتعلق بالعصيان، فيما اعترض محتجون على طريقة التعامل معهم.
وتتركز مطالب المشاركين على مراجعة السياسات المرتبطة بالإيجارات والإخلاء، وسط مخاوف من أن تؤدي التغييرات المقترحة إلى زيادة الضغوط على المستأجرين.
إسبانيا وبلجيكا وألبانيا.. اتساع رقعة الغضب
في إسبانيا، تواصلت احتجاجات مرتبطة بتكاليف السكن والإخلاء القسري، بالتزامن مع إضراب لمعلمي المدارس العامة في مدريد دخل يومه الخامس، في تحرك يعكس استمرار الخلافات بشأن أوضاع التعليم والخدمات العامة.
وفي بلجيكا، شهدت بروكسل ولييج تجمعات احتجاجية تخللت بعضها أعمال تخريب ومواجهات مع الشرطة، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعات من المشاركين، فيما أعلنت السلطات توقيف أشخاص على خلفية الإخلال بالنظام العام.
وحذر وزير الداخلية البلجيكي برنار كوينتان من تكرار أعمال العنف، وانتقد ما وصفه بمحاولات زعزعة الاستقرار، بينما تصاعد الجدل بشأن دور منصات التواصل الاجتماعي في نشر مقاطع المواجهات وتوسيع نطاق تأثيرها بين الشباب.
وفي ألبانيا، قادت مجموعات طلابية احتجاجات في العاصمة تيرانا ومدن أخرى، اعتراضًا على الفساد ونقص فرص العمل وتراجع مستوى التعليم ورسوم التسجيل، مع مطالبة رئيس الوزراء إيدي راما بالاستقالة.
وتحولت بعض التحركات إلى مواجهات عنيفة، شملت إلقاء الحجارة والألعاب النارية وإضرام حرائق في مواقع مختلفة، بينما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. وأفادت وزارة الصحة بإصابة 16 شرطيًا خلال مواجهات سابقة، في حين رفض راما الاستقالة واتهم جهات باستغلال المطالب الطلابية، وهي اتهامات لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
وفي اليونان، خرج متقاعدون في مدينة لاريسا للمطالبة بزيادة المعاشات واتخاذ إجراءات تحد من تأثير الغلاء، بما يوسع نطاق المطالب الاجتماعية لتشمل فئات تواجه ضغوطًا معيشية مختلفة.
لماذا تتصاعد الاحتجاجات في أوروبا؟
تُظهر التطورات تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية، في مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والطاقة، إلى جانب الاعتراض على تراجع الخدمات العامة وصعوبة الحصول على فرص العمل، خصوصًا بين الشباب.
وتتجاوز أزمة السكن في بعض المدن الأوروبية مسألة ارتفاع الإيجارات، لتشمل صعوبة العثور على مساكن ملائمة، والمخاوف من الإخلاء، واتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة. كما يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة الضغوط على قطاعات النقل، وقد تنتقل آثار هذه الضغوط إلى أسعار السلع والخدمات عندما تتعطل حركة الإمدادات.
وتشير هذه العوامل إلى أن الاحتجاجات لا تتحرك بدافع واحد، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها موجة متجانسة في جميع الدول؛ فالمطالب الطلابية في فرنسا وألبانيا تختلف عن تحركات المستأجرين في البرتغال أو احتجاجات العاملين في النقل بإيطاليا، رغم وجود قاسم اقتصادي مشترك بينها.
ويبرز كذلك عامل تراجع الثقة في المؤسسات السياسية، إذ يشعر بعض المحتجين بأن الحكومات والأحزاب التقليدية لا تستجيب بالسرعة الكافية لمشكلاتهم، وهو ما يمنح الاحتجاجات طابعًا سياسيًا يتجاوز المطالب الخدمية المباشرة.
صراع سياسي ومخاوف من استغلال الاحتجاجات
تتحول أعمال الشغب في فرنسا إلى محور لصراع سياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، إذ يتبادل مسئولون ومنافسون سياسيون الاتهامات بشأن المسئولية عن الاضطرابات، بينما تطرح قوى مختلفة رؤى متباينة لاستعادة الأمن ومعالجة أسباب الغضب الشعبي.
وتستفيد الأحزاب التي تركز على الأمن وتطبيق القانون من تصاعد المخاوف بشأن أعمال العنف، في حين تشدد قوى أخرى على ضرورة عدم الخلط بين المحتجين السلميين ومجموعات التخريب، محذرة من استخدام الاضطرابات لتقويض المطالب المتعلقة بالتعليم والخدمات العامة.
كما أثار تداول مقاطع الشغب عبر منصات التواصل الاجتماعي نقاشًا بشأن مسئولية الشركات الرقمية، وحدود الإجراءات التي يمكن اتخاذها لاحتواء التحريض دون المساس بحقوق المستخدمين في التعبير والتجمع السلمي.
وتتطلب قراءة هذه الاتهامات التمييز بين الوقائع المثبتة والتصريحات السياسية؛ فوجود أعمال عنف خلال احتجاجات لا يثبت وحده أن جميع المشاركين تورطوا فيها، كما أن اتهام جهة سياسية بالتحريض لا يحسم مسئوليتها ما لم تدعمه أدلة مستقلة.
ما انعكاسات اضطرابات أوروبا على العلاقات الدولية؟
تفرض الاحتجاجات المتزامنة تحديات على الحكومات الأوروبية في وقت تواجه فيه ضغوطًا اقتصادية وأمنية، إذ يمكن أن تؤثر اضطرابات النقل والموانئ في حركة السلع والإمدادات، بينما قد تؤدي زيادة الإنفاق على التدابير الأمنية ودعم القطاعات المتضررة إلى تعقيد أولويات الموازنات العامة.
كما تضع هذه الأحداث قضايا الهجرة والأمن والحقوق المدنية في صدارة النقاش السياسي، خاصة مع توظيف بعض التيارات الاحتجاجات لتبرير تشديد السياسات الأمنية أو المطالبة بإجراءات أكثر صرامة على الحدود.
غير أن ربط أعمال الشغب بالمهاجرين أو بأي فئة محددة يحتاج إلى أدلة موثوقة، ولا يصح اعتباره استنتاجًا عامًا استنادًا إلى تصريحات سياسية وحدها.
وعلى المستوى الأوروبي، تثير التطورات تساؤلات بشأن قدرة الحكومات على تنسيق الاستجابة للأزمات الاجتماعية، وتبادل الخبرات في إدارة التجمعات العامة ومواجهة التضليل، مع الحفاظ على الحق في الاحتجاج السلمي.
وتبقى تطورات الأيام المقبلة مرهونة بقدرة السلطات على احتواء أعمال العنف، والاستجابة للمطالب الاقتصادية والخدمية، وتجنب تحول الخلافات الاجتماعية إلى مواجهات سياسية أكثر حدة. فالتعامل الأمني قد يحد من الاضطرابات مؤقتًا، لكن معالجة جذور الغضب المرتبطة بالسكن والعمل والتعليم وتكاليف المعيشة تظل عنصرًا أساسيًا في احتواء الأزمة على المدى الطويل.





