فى خضم ما نعيشه وما نراه وما نجبر على التعايش معه تذكرت مثلا قديما كانت تقوله أمى رحمة الله عليها عندما نقص عليها حكايات عن ناس صدمنا فيهم وكنا نحسبهم أهل أصل ومخلصين ، كانت ترد قائلة ووجهها الجميل مبتسم كله : قاله يابا اعمل حاجه تشرفني رد عليه أبوه وقاله لما يموت اللي يعرفني…
هذا المثل يفسر ما يحدث فى هذه المرحلة من انفلات أخلاقي وتدهور فى كل شيء كنا نعيش به وعليه . فلم يعد غريبا أن نقرأ عن عقوق الأبناء وجحودهم ولم نستغرب مما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعى من حوادث اجتماعية تظهر فيها الأم تقتل فلذة كبدها من اجل عشيقها أو من أجل أى سبب غريب على مفهومنا وعقائدنا وقيمنا ، فصار طبيعيا جدا أن تقرأ وتشاهد أم تخدر إبنها وتبيع أعضاءه وترد بكل بجاحة ووقاحة أن الابن وماله لأبويه وهى لم تفعل خطأ لانها لاتملك المال ومن حقها ان تبيع احد اعضاء ابنها كى تعيش هى واخوته ا. ولم يعد يدهشك أن ترى آباء يتفنون فى ايذاء ابناءهم بعد الانفصال وربما حتى وهم معا ، بات واضحا ان هناك منظومة جديدة تسمى " اهدار القيم والعبث بكافة الموروثات الاجتماعية " هذه المنظومة تزداد رقعتها بازدياد كل من لانعرف أصلهم من فصلهم وكل الدخلاء على المجتمع المصرى وكل من كبر وترعرع بعد أحداث ماسمى بالربيع العربى ، المجتمع أصبح مستنقعا وتم الرائحة ويظهر على قمته فئة جديدة ممسوحة الملامح ولكنها تفرض بنفسها بقوة سواء كانت قوة مادية أو مجتمعية أو شاذة فى كل شىء الملبس ووسيلة الحياة والظهور على الساحة بطريقة " مين أدى" . عوامل الشد والجذب نحو الانهيار الاخلاقى أقوى بمراحل من عوامل الثبات والتوقف عن التراجع والنزول الى المستنقع ، الساحة أصبحت مخيفة والشاذ فيها صار مألوفا ، كل شىء أصبح له مبرر مادام المريدين يتزايدون ويصفقون .
العيب أصبح مفهوم نسبى والصح أصبح موروث متخلف ، كل هذه المتناقضات تزداد لانه لايوجد من يقف أمامها ولايوجد من يعلو صوته ويطالب بالعودة إلى منظومة الزمن الجميل والاخلاق الراسخة والقيم الهادفة .. كل مانراه ليس مجرد حدث أو مرحلة ولكنه جزء من سلسلة من الهجوم الغربى غير المباشر على هرم الاخلاق المصرى ووتيرة الحياة السلسة التى عشنا فيها عمرا مع من كانوا لنا نبراسا وطوق نجاة من آفات هذه المرحلة التى تشبه فى قوتها هجوم الجراد على كل ماهو أخضر وحرب النسور على كل ماهو فيه نبض وحياة . لم يقال مثل " ياابا اعمل حاجه تشرفنى ورد الاب لما يموت اللى يعرفنى " مجرد مثل ينتهى وقته بوقت من قاله ولكنه مؤشر صارخ وناقوس انذار لتنقية المجتمع من آفاته التى تدعى زورا وبهتانا بأنهم أهل علم ومعرفة وكل نصيبهم من هذا العلم والمعرفة شهادات مضروبة من أوروبا الشرقية ، ومايملكون من أموال هى اموال مشبوهة جاءت بطرق ملتوية وأساليب مقززة .
هي اذن حربا تهدف لتفتيت الروابط الاجتماعية واهتزاز القيم الأخلاقية وضياع ماتبقى من موروث مصرى قديم وجميل نتباهى به أمام العالم كله قديما وحديثا . فى ظل لما يموت اللى يعرفنى جاء كل من فى قلبه مرض وعينا زائغة وأهدافا قذرة ليخرج لسانه بلا حياء ولا استحياء لكل من كان يعيش بقيم واخلاقيات ترى الحق حق والباطل باطل والعيب عيب ومنبوذ من يفعله .. هى اذن صرخة وبوق انذار نقول من خلاله احذروا ممن يفعلون مايشاءون تحت ستار أنهم الصفوة ولان كل من يعرفهم قد مات ولم يتبقى إلا من هم على شاكلتهم وعلى دربهم سائرون .. الزجاجة فيها سم نداء إلى كل من لايزال يتمسك بالقيم والاخلاق ويحاول ان يتقى شر من يعيش على مبدأ مات من يعرفنى !!!