هل تساءلت يوماً ماذا يحدث داخل عقل الطفل حين يخطو خطواته الأولى نحو المدرسة؟ ليس مجرد شارع عادي أو طريق مألوف، بل عالم كامل من الخيال والفهم والفضول، عالم يتحرك بصمت داخل رأس هذا الصغير، عالم يصنع المستقبل قبل أن ندرك نحن.
يعتقد الكثيرون أن عقل الطفل نسخة مصغرة من عقل البالغ لكن الواقع مختلف تماماً، عقل الطفل كيان مستقل يتطور بطريقة مذهلة من اللحظة التي يقرر فيها الذهاب إلى المدرسة وحتى قدرته على مواجهة أصعب المواقف هناك آلة خفية تعمل بلا توقف هذه الفكرة ظلت تراودني طويلاً، من مراقبة الأطفال وفهم ما يجذبهم في الكتب والقصص، إلى ملاحظتي كيف يلتفتون للألوان والأشكال منذ الصغر وغلاف الكتاب الذي يؤثر بأكثر من ٩٠٪ على مدى التقاطهم له أو تجاهله، حتى وجدت نفسي أمام صفحات كتاب مهم بعنوان تفكير الأطفال (Children’s Thinking) للعالم روبرت سيجلر وجدت نفسي أمام عالم كامل يتحرك داخل رأس الطفل عالم لا نراه لكنه يصنع المستقبل بصمت.
فالطفل الذي يغادر منزله صباحاً متجهاً إلى المدرسة لا يسير في شارع عادي بل يبني خريطة ذهنية كاملة للمكان يلاحظ الأشجار يميز المباني يحفظ الاتجاهات ويختزن كل تفاصيل الطريق قد يبدو الأمر بسيطاً لكن في الواقع هو عملية عقلية معقدة تشارك فيها آلاف الوصلات العصبية التي تعمل بلا توقف، ومن أكثر الحقائق المدهشة أن مخ الطفل يحتوي على مشابك عصبية أكثر بكثير من المخ البالغ هذه الشبكة تجعل الطفل مستعداً لتعلم اللغة والحركة وفهم العالم من حوله لكن مع مرور الوقت تبدأ عملية التشذيب العصبي حيث يقوي المخ الوصلات المستخدمة ويتخلص من غيرها وهذا ما يجعل عقل البالغ أسرع وأكثر تخصصاً لكنه يفقد جزءاً من مرونة ودهشة عقل الطفل.
وعند الولادة لا يتجاوز وزن المخ ربع وزن المخ البالغ لكنه ينمو بسرعة مذهلة ليصل إلى نحو تسعين في المئة من حجمه قبل الخامسة هذه السنوات الأولى هي المرحلة الذهبية التي تتشكل فيها قدراته العقلية بشكل كبير وخلالها تنشط مناطق مختلفة من المخ لكل منها وظيفته الفص الجبهي يصبح مركز التفكير والتخطيط واتخاذ القرار بينما الفص القذالي أو المؤخري يتحكم بالرؤية والتمييز بين الأشكال والألوان والوجوه وبين هذه المناطق تنشأ شبكة معقدة من التواصل العصبي تجعل الطفل يكتشف كل يوم شيئاً جديداً عن العالم ويشير سيجلر إلى أن الطفل منذ ولادته ينجذب تلقائياً إلى الوجوه والأشياء المتحركة هذه ليست صدفة بل بداية تشكيل قدرته على الفهم والتفاعل الاجتماعي.
ومن هنا نصل إلى الذكاء IQ الذي لا يقاس برقم جامد بل بمجموعة قدرات تحليلية وإبداعية وعملية تجعل الطفل يتعامل مع الحياة اليومية بذكاء وتكيف لكن الأهم أن عقل الطفل لا ينمو في عزلة البيئة التي يعيش فيها تلعب دوراً أساسياً في تشكيل تفكيره الأسرة الأصدقاء المعلمون وحتى الثقافة المحيطة كلها عناصر تشكل تفكيره كلمة تشجيع قد تفتح باب فضول جديد وسؤال بسيط قد يشعل شرارة تفكير تمتد سنوات طويلة وعندما نرى طفل يحمل عدسة مكبرة يتأمل حشرة صغيرة أو حجرا غريبا قد نظن أنها لحظة فضول عابرة لكننا في الواقع أمام عقل يحاول فهم العالم بطريقته الخاصة أمام شبكة من الوصلات العصبية تتشكل وتكبر مع كل تجربة وكل سؤال، ولهذا في اليابان، يحرص بعض المصممين والمعلمون على ملاحظة طريقة تفكير الأطفال، لأن عقولهم غير مقيدة وتأتي بأفكار مبتكرة لا يفكر فيها الكبار.
الفضول والتجربة عند الأطفال مصدر إلهام حقيقي يمكن أن يترجم إلى تصميمات وأفكار جديدة، مما يوضح قيمة النظر إلى الطفل كمصدر للإبداع، ولهذا تبقى رسالتنا للمجتمع بسيطة لكنها عميقة هذا الطفل ليس مرحلة عابرة بل مشروع إنسان كامل يتشكل أمام أعيننا السنوات الأولى ليست مجرد وقت يمر بل فترة تتكون فيها البنية الأساسية لعقله وشخصيته واجبنا أن نحمي فضوله نستمع إلى أسئلته نمنحه مساحة للتجربة والخطأ فالعقول العظيمة تنمو في بيئة تسمح لها بالبحث والاكتشاف فالطفل الذي يحاول اليوم تذكر طريق العودة قد يكون غداً العقل الذي يرسم طريق المستقبل إذا وجد منا فقط ما يحتاجه من فهم وصبر وفرصة حقيقية للنمو.