قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

من مراقبة السماء إلى الذكاء الاصطناعي .. رحلة التنبؤ بالطقس من الماضي إلى الحاضر

من مراقبة السماء إلى الذكاء الاصطناعي .. رحلة التنبؤ بالطقس من الماضي إلى الحاضر
من مراقبة السماء إلى الذكاء الاصطناعي .. رحلة التنبؤ بالطقس من الماضي إلى الحاضر

يمثل الطقس جزءا أساسيا من حياة الإنسان ومصيره، إذ ارتبطت الزراعة والصيد والترحال والإبحار منذ القدم بتغيرات الفصول وهطول الأمطار واتجاهات الرياح ؛ مما دفع أجدادنا إلى مراقبة الطبيعة وقراءة إشاراتها للاستعداد لمواسم المطر والجفاف وتجنب مخاطر العواصف واضطراب البحر.

وقد اعتمد الإنسان بصورة أساسية على الخبرة والملاحظة وتراكم التجارب عبر الأجيال المختلفة؛ فكان يراقب شكل السحب وحركتها واتجاهات الرياح وألوان السماء عند الشروق والغروب، إلى جانب الرطوبة والضباب والانخفاض المفاجئ في درجات الحرارة، كما كان يلاحظ سلوك الطيور والحيوانات والحشرات ويربط بعض التغيرات في سلوكها باقتراب الأمطار أو تغير الفصول.

ولم تكن هذه التنبؤات تمتد لفترات طويلة وإنما كانت تتركز على توقعات قصيرة المدى أو معرفة خصائص المواسم، مثل مواسم الأمطار والصيف والشتاء وفيضان النيل.

وفي الثقافة العربية، برز ما عرف ب"علم الأنواء"، الذي ربط بين ظهور النجوم ومواقعها وبين تغير الفصول والرياح والأمطار ، واستفاد منه الناس في تحديد مواسم الزراعة والري والسفر ، كما تميز المصريون القدماء في الفلك ومراقبة الظواهر السماوية والاستفادة منها في تنظيم حياتهم الزراعية.

ومن أبرز الموروثات الشعبية المرتبطة بالطقس في مصر هي "النوات"، التي ارتبطت بصورة خاصة بمدينة الإسكندرية والصيادين والبحارة ، فقد اعتمد الصيادون على خبراتهم المتراكمة في مراقبة الرياح والأمواج وحالة البحر وتغير لونه ومواعيد سقوط الأمطار ، ووضعوا جداول للنوات ساعدتهم على معرفة الفترات التي يشتد فيها اضطراب البحر وتحديد الأوقات المناسبة للصيد والإبحار.

ولإلقاء الضوء على تطور التنبؤ بالطقس من الخبرة الشعبية إلى الأساليب العلمية الحديثة ، أجرت وكالة أنباء الشرق الأوسط حوارا مع الدكتورة منار غانم المتنبئ الجوي بمركز التنبؤ والإنذار بالهيئة العامة للأرصاد الجوية التي قدمت عرضا شاملا عن كيفية التنبؤ بالطقس قديما وحديثا.

وحول مدى دقة التنبؤات الشعبية قديما .. أجابت غانم بأن هذه التنبؤات كانت تتمتع بدرجة من الدقة، لكنها كانت محدودة مقارنة بعلوم الأرصاد الحديثة ، لاعتمادها على الملاحظة والخبرة دون قياسات دقيقة أو نماذج رياضية وفيزيائية.

وأفادت بأن هذه الخبرات كانت تساعد في معرفة خصائص بعض المواسم وتوقع بعض الظواهر، لكنها لم تكن قادرة على تحديد توقيت حدوثها بدقة .. مشيرة إلى أن الصيادين ، على سبيل المثال ، كانوا يعرفون الفترات التي يكثر فيها اضطراب البحر أو سقوط الأمطار، لكن موعد الظاهرة قد يتقدم أو يتأخر عدة أيام.

وقالت غانم : إن التنبؤ بالطقس شهد مع تطور علوم الأرصاد انتقالا تدريجيا من الاعتماد على الخبرة الشخصية إلى القياس العلمي، حيث أصبحت محطات الرصد تجمع بيانات دقيقة عن درجات الحرارة والضغط الجوي والرطوبة وسرعة الرياح واتجاهها وغيرها من عناصر الطقس.

وأشارت إلى أن خبراء الأرصاد كانوا في المراحل الأولى يعتمدون على تحليل خرائط الطقس يدويا وتحديد مناطق الضغط المرتفع والمنخفض وحركة الكتل الهوائية، قبل أن تحدث الحواسيب والنماذج العددية نقلة نوعية في مجال التنبؤ.

وأكدت أن الأقمار الصناعية و رادارات الطقس أحدثت ثورة في هذا المجال، إذ توفر الأقمار الصناعية صورا وبيانات تغطي مساحات واسعة من سطح الأرض بما في ذلك المناطق التي يصعب إنشاء محطات رصد بها بينما تتيح الرادارات متابعة حركة السحب والأمطار والعواصف، بما يساعد على إصدار تحذيرات مبكرة.

وأضافت أن هذه التقنيات أتاحت ما يعرف بـ"التنبؤ الآني" (Nowcasting) الذي يركز على متابعة التطورات الجوية خلال الساعات القليلة المقبلة، بما يسمح باكتشاف التطورات السريعة للسحب الرعدية وإصدار التحذيرات قبل تأثيرها على المناطق المستهدفة.

وتابعت: أن محطات الرصد الجوي تظل من أهم مصادر البيانات، حيث تستخدم المعلومات التي تجمعها في تشغيل النماذج العددية وتقييم دقة التنبؤات السابقة.. لافتة إلى أن الربط بين محطات الرصد والأقمار الصناعية والرادارات أسهم في توفير البيانات بصورة أسرع وأكثر شمولًا.

وأوضحت أن النماذج العددية تعتمد على معادلات رياضية وفيزيائية لمحاكاة حركة الغلاف الجوي والتنبؤ بما يمكن أن يحدث خلال الساعات والأيام المقبلة .. مشيرة إلى أن التنبؤ لم يعد مقتصرا على ست أو اثنتي عشرة ساعة بل أصبح يمتد لعدة أيام إلى جانب التنبؤات الموسمية طويلة المدى.

وشددت على أن دقة التنبؤ تتأثر بطول الفترة الزمنية؛ فكلما ابتعدت فترة التنبؤ إلى المستقبل، زادت درجة عدم اليقين وانخفضت الدقة نسبيا، نظرا لتعقيد الغلاف الجوي وتراكم الأخطاء بمرور الوقت.

وحول دور الذكاء الاصطناعي.. قالت غانم : إنه يمثل مرحلة مهمة في تطور التنبؤ بالطقس، نظرا لقدرته على تحليل كميات ضخمة من البيانات بسرعة كبيرة، وإمكانية دمجه مع النماذج العددية وبيانات الرصد لتحسين التنبؤات وتسريع عمليات التحليل.

وأضافت : إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم كذلك في تحسين اكتشاف الظواهر الجوية الخطرة وإصدار الإنذارات المبكرة، خاصة عندما تتطور الحالات الجوية بصورة سريعة .. مؤكدة أن التنبؤ الحديث أصبح يعتمد على منظومة متكاملة تجمع بين خبرة المتنبئ البشري وبيانات محطات الرصد والأقمار الصناعية والرادارات والنماذج العددية والذكاء الاصطناعي.

وردا على سؤال حول ما إذا كان التنبؤ بالطقس أصبح أكثر دقة ؟.. أجابت غانم بأن التطور الكبير في وسائل الرصد ومعالجة البيانات والنماذج العددية والذكاء الاصطناعي رفع دقة التنبؤات بصورة واضحة مقارنة بالماضي .. مؤكدة أن زيادة الدقة لا تعني الوصول إلى يقين كامل، إذ تظل التنبؤات عرضة لقدر من عدم اليقين، وتنخفض الدقة نسبيا كلما طالت الفترة الزمنية.

وأوضحت أن التنبؤ بالطقس لم يعد محدودا بمنطقة جغرافية صغيرة بل أصبح عالميا بفضل الأقمار الصناعية وتبادل البيانات بين الدول من خلال المنظومات الدولية، وعلى رأسها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية .. مؤكدة أن الغلاف الجوي لا يعرف الحدود السياسية وما يحدث في منطقة من العالم قد يؤثر في مناطق أخرى.

وحول استمرار استخدام طرق التنبؤ الشعبية .. قالت غانم : إن بعض هذه الموروثات لا يزال موجودا في مناطق وفئات محدودة ومن أبرزها "النوات" في الإسكندرية، إلى جانب بعض الملاحظات الشعبية المرتبطة بالضباب أو سلوك الحيوانات، لكنها لم تعد أساسا للتنبؤ الرسمي بالطقس، الذي يعتمد حاليا على القياسات العلمية ووسائل الرصد الحديثة والنماذج العددية.

وأشارت غانم إلى أن التنبؤ القديم كان يعتمد بصورة شبه كاملة على الخبرة البشرية والملاحظة المباشرة للطبيعة بينما يجمع التنبؤ الحديث بين التكنولوجيا والخبرة البشرية .. موضحة أن المتنبئ الجوي يستخدم خبرته في تحليل وتفسير البيانات التي توفرها أجهزة الرصد والنماذج العددية والأقمار الصناعية والرادارات.

وأكدت أن أهمية التنبؤ بالطقس لا تقتصر على معرفة حالة الجو بل أصبح عنصرا أساسيا في حماية الأرواح والممتلكات.. مشيرة إلى أن التنبؤ المبكر بالعواصف الرعدية والأمطار الغزيرة وموجات الحر والبرد والسيول يمنح الجهات المختصة والمواطنين وقتا كافيا للاستعداد واتخاذ الإجراءات اللازمة.

وحول أهمية التنبؤ للمزارعين والطيارين والبحارة .. أوضحت غانم أن توقعات الطقس أصبحت جزءا أساسيا من التخطيط في قطاعات عديدة ؛ ففي الزراعة تساعد التوقعات على تحديد مواعيد الري والحصاد والاستعداد لموجات الحر والبرد وحماية المحاصيل من الأمطار والرياح بينما يحتاج الطيارون إلى معلومات دقيقة عن الرياح والسحب والعواصف والرؤية الأفقية لضمان سلامة الرحلات ، كما يعتمد البحارة والصيادون على بيانات ارتفاع الأمواج واتجاه الرياح وحالة البحر لاتخاذ قرارات الإبحار والصيد.

وقالت : إن أهمية التنبؤ تمتد إلى قطاعات أخرى مثل المرور والطاقة والبناء والسياحة والصحة، فضلًا عن القرارات اليومية للمواطنين.

وفيما يتعلق بمواجهة السيول والعواصف وموجات الحر .. أكدت غانم أن التنبؤ المبكر يمنح الجهات المختصة الوقت الكافي لاتخاذ إجراءات استباقية، مثل رفع درجة الاستعداد وتجهيز البنية التحتية وحماية المنشآت وتنظيم حركة المرور وتوعية المواطنين ، وقد يشمل الأمر إجلاء السكان من المناطق الأكثر عرضة للخطر عند الضرورة.

واختتمت غانم بالتأكيد على أن قيمة التنبؤ لا تكمن فقط في معرفة ما سيحدث وإنما في الوقت الذي يمنحه للإنسان كي يتصرف قبل وقوع الخطر.