قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

الرياح.. من التنبؤ بالطقس إلى دعم الطاقة والتنمية المستدامة

الدكتورة إيمان شاكر رئيس مركز الاستشعار عن بعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية
الدكتورة إيمان شاكر رئيس مركز الاستشعار عن بعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية

لا تهب الرياح عبثا ، ولا تقتصر مهمتها على تحريك الهواء ، وإنما تمثل أحد أهم مفاتيح فهم حركة الغلاف الجوي ؛ إذ تحمل في اتجاهاتها وسرعاتها إشارات مبكرة تكشف الكثير عن التغيرات التي يشهدها الطقس ، فمن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاضها إلى فرص سقوط الأمطار والعواصف الترابية والرعدية.

وتؤدي الرياح دورا مهما في تشكيل النظام المناخي للكرة الأرضية، إذ تنقل الكتل الهوائية بين مناطق العالم المختلفة ، وتسهم في توزيع الحرارة والرطوبة والسحب بما يحد من حدة التفاوت الحراري ويساعد في تحقيق التوازن المناخي.

كما تعد الرياح عاملا أساسيا في النقل والملاحة ؛ ففي الملاحة البحرية تؤثر سرعتها واتجاهها في حركة السفن وارتفاع الأمواج واضطراب البحر بينما تؤثر التيارات الهوائية العليا وفي مقدمتها التيار النفاث في سرعة الطائرات وزمن الرحلات.

وفي مجال الطاقة والتنمية المستدامة ، أصبحت الرياح أحد أهم مصادر الطاقة المتجددة حيث تحول توربينات الرياح ، الطاقة الحركية للهواء إلى كهرباء دون انبعاثات مباشرة من غازات الاحتباس الحراري بما يدعم جهود الحد من التلوث ومواجهة تغير المناخ.

والرياح على كوكب الأرض تنقسم إلى عدة أنواع رئيسية بناء على نطاقها الجغرافي واستمراريتها الزمانية ، حيث تأتي في مقدمتها الرياح الدائمة التي تهب باستمرار وعلى مدار العام في اتجاهات ثابتة ؛ نتيجة اختلاف الضغط الجوي ودوران الأرض.

ومن بين أنواعها أيضا : الرياح التجارية التي تهب من مناطق الضغط المرتفع دون المداري نحو الضغط المنخفض الاستوائي إلى جانب الرياح العكسية أو الغربية التي تهب من المناطق دون المدارية نحو المناطق القطبية إضافة إلى الرياح القطبية التي تهب من القطبين شديدي البرودة نحو المناطق دون القطبية.

كما تشمل الرياح الموسمية التي تغير اتجاهها بين فصل وآخر نتيجة التباين الحراري الكبير بين اليابسة والماء ؛ حيث تهب الرياح الموسمية الصيفية من البحر إلى البر وتكون عادة محملة بالرطوبة والأمطار الغزيرة بينما تهب الرياح الموسمية الشتوية من البر إلى البحر لتكون جافة وباردة.

أما الرياح المحلية فهي التي تنشأ في مناطق محدودة وتستمر لفترات قصيرة ؛ بسبب ظروف جغرافية ومحلية خاصة ، مثل نسيم البر والبحر الذي يحدث يوميا على الشواطئ ؛ بسبب اختلاف سرعة اكتساب وفقدان الحرارة بين الماء واليابسة ليلا ونهارا، ونسيم الجبل والوادي الناتج عن اختلاف درجة حرارة الهواء على قمم الجبال وفي القيعان إلى جانب الرياح الحارة والجافة مثل رياح الخماسين في مصر وبلاد الشام ورياح السيروكو في شمال إفريقيا.

وبالنسبة للنوع الأخير فهو الرياح اليومية أو العارضة ، التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمنخفضات الجوية والتقلبات الطقسية المفاجئة ، وتتضمن العواصف الرملية ، ورياح الهبوب ، والرياح العاتية المصاحبة للأعاصير والعواصف الرعدية.

وسلطت وكالة أنباء الشرق الأوسط الضوء على هذا الموضوع من خلال حوار أجرته مع الدكتورة إيمان شاكر رئيس مركز الاستشعار عن بعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية للحديث عن أهمية الرياح وتأثيراتها وأنواعها ودورها في التنبؤ بالطقس.

وردا على سؤال حول إمكانية اعتبار الرياح مؤشرا مبكرا لتغير حالة الطقس .. أجابت الدكتورة إيمان شاكر بأن تغير اتجاه الرياح أو سرعتها قد يكون من العلامات المبكرة والواضحة على بدء تغير الأحوال الجوية..موضحة أن تحول الرياح، مثلا، من جنوبية أو جنوبية غربية إلى شمالية أو شمالية غربية قد يعني دخول كتلة هوائية مختلفة في خصائصها الحرارية والرطوبية، بما يؤدي إلى تغير درجات الحرارة أو فرص سقوط الأمطار.

وضربت مثالا بفصل الربيع .. قائلة : "قد تؤدي الرياح الجنوبية الغربية القادمة من الصحراء الغربية إلى ارتفاع شديد في الحرارة بينما يؤدي تحولها إلى شمالية غربية إلى انخفاض كبير في درجات الحرارة وانكسار حدة الموجة الحارة".

وأضافت أن تغير اتجاه الرياح في الشتاء قد يسمح بدخول كتلة هوائية أكثر رطوبة؛ ما يسهم في تكون السحب وسقوط الأمطار .. مشيرة إلى أن الزيادة المفاجئة في سرعتها أو تغير اتجاهها قد يكون مؤشرا على اقتراب جبهة هوائية أو منخفض جوي أو عاصفة رعدية أو ترابية.

وعن دورها في التنبؤ بالطقس .. أكدت الدكتورة إيمان شاكر أن الرياح تنقل الحرارة والرطوبة والغبار والملوثات من منطقة إلى أخرى، لذلك يراقب خبراء الأرصاد اتجاهها وسرعتها في طبقات الجو المختلفة.

وأوضحت أن التغير في اتجاه الرياح مع الارتفاع يساعد على فهم حركة الأنظمة الجوية والكتل الهوائية ومصادرها، وعلاقتها بالضغط ودرجات الحرارة والرطوبة.. مؤكدة أن بيانات الرياح عنصر أساسي في النماذج العددية للتنبؤ بالطقس.

وعن الفرق بين الرياح المحلية والعالمية ؟.. أجابت الدكتورة إيمان شاكر بأن الرياح المحلية ترتبط بظروف جغرافية محددة وعلى نطاق محدود، مثل نسيم البحر والبر والرياح الجبلية ورياح الوادي بينما تتكون الرياح العالمية ؛ نتيجة التوزيع غير المتساوي للطاقة الشمسية ودوران الأرض، وتشمل الرياح التجارية والتيارات النفاثة.

وبينت أن الرياح القادمة من البحر إلى اليابسة تنقل الرطوبة وخصائص حرارية مختلفة، وقد تؤدي إلى ارتفاع الرطوبة وزيادة الإحساس بالحرارة أو إلى تلطيف درجات الحرارة.

أما في مصر – حسبما ذكرت الدكتورة إيمان شاكر – فإن الرياح الشمالية والشمالية الغربية القادمة من البحر المتوسط تؤدي دورا في تلطيف درجات الحرارة على السواحل الشمالية لكنها تكون محملة بنسب مرتفعة من الرطوبة خلال الصيف ؛ ما يزيد الإحساس بحرارة الطقس بينما قد تسهم في الشتاء في زيادة فرص السحب والأمطار عند توافر الظروف المناسبة.

وحول موجات الحر والبرد .. قالت رئيس مركز الاستشعار عن بعد : إن الرياح تحدد نوع الكتلة الهوائية التي تصل إلى المنطقة ؛ فالرياح القادمة من مناطق شديدة الحرارة تنقل كتلا دافئة أو حارة، بينما تؤدي الرياح القادمة من مناطق أبرد إلى انخفاض درجات الحرارة.

وأشارت إلى أن الرياح الجنوبية والجنوبية الغربية القادمة من مناطق صحراوية مثل الصحراء الليبية والصحراء الغربية قد تصاحب ارتفاع الحرارة وإثارة الرمال والأتربة فيما تسهم القادمة من الجنوب أو من منطقة الخليج العربي في ارتفاع درجات الحرارة في حين تعمل الرياح الشمالية القادمة من جنوب أوروبا على تلطيف الأجواء.

وعن تأثير الرياح القوية في الملاحة والطيران .. أجابت الدكتورة إيمان شاكر بأن الرياح القوية تؤدي في الملاحة البحرية إلى ارتفاع الأمواج وزيادة اضطراب البحر، وقد تؤثر في سلامة السفن وعمليات الصيد والمواني والأنشطة الشاطئية، كما قد تتسبب في تيارات سحب خطرة تزيد مخاطر الغرق.

وقالت : بالنسبة لمجال الطيران ،تعد سرعة الرياح واتجاهها والتغير المفاجئ فيهما من العناصر المهمة ، كما تمثل الاضطرابات الهوائية تحديا خاصا أثناء الإقلاع والهبوط..مشيرة إلى أن التيار النفاث يؤثر في زمن الرحلات ؛ فعند الطيران في اتجاهه تزداد سرعة الطائرة ويقل زمن الوصول بينما يحدث العكس عند الطيران عكس اتجاهه.

وحول تأثير تغير المناخ في أنماط الرياح .. أكدت الدكتورة إيمان شاكر أن التغير المناخي لا يعني أن الرياح أصبحت أقوى في جميع المناطق، وإنما قد تتغير أنماط الضغط الجوي ومواقع ومسارات بعض الأنظمة الجوية والفروق الحرارية، وهو ما يؤدي إلى تغير أنماط الرياح في بعض المناطق.

وأضافت : أن الاحترار العالمي قد يؤثر في بعض الظواهر المتطرفة المرتبطة بالرياح، لكن درجة ونوع التغير يختلفان من منطقة إلى أخرى..مشيرة إلى ظاهرة النينيو ، المرتبطة بارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ وتغير حركة الرياح التجارية، وتأثيرها في موجات الحر والأمطار والفيضانات والجفاف.

وفيما يتعلق بأخطر الظواهر وطرق القياس .. أوضحت أن أبرز المخاطر المرتبطة بالرياح القوية تشمل العواصف الرعدية والرياح الهابطة والعواصف الترابية والرملية، والأعاصير والعواصف المدارية، وارتفاع الأمواج والعواصف البحرية، إضافة إلى سقوط الأشجار والأعمدة ولوحات الإعلانات وتضرر المنشآت واضطراب حركة الطيران والملاحة وانخفاض الرؤية..مؤكدة أن الخطورة لا تعتمد على سرعة الرياح فقط وإنما على مدة استمرارها وطبيعة المنطقة وحالة المنشآت والبنية التحتية.

وأفادت بأن سرعة الرياح تقاس باستخدام (الأنيمومتر) (Anemometer) بينما تستخدم (دوارة الرياح) لتحديد اتجاهها ، فيما توفر محطات الأرصاد الحديثة قياسات مستمرة ترسل لحظيا إلى مراكز التنبؤ.

وقالت إيمان شاكر : يمكننا أيضا رصد الرياح في طبقات الغلاف الجوي العليا باستخدام (الراديوسوند والأقمار الصناعية والرادارات وتقنيات الاستشعار عن بعد) إلى جانب النماذج العددية التي تتنبأ بسرعتها واتجاهها لفترات تمتد من عدة أيام إلى أسابيع، وصولا إلى التوقعات طويلة المدى.

وأشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح من الأدوات الواعدة لتحليل كميات ضخمة من بيانات الأرصاد، ومنها سرعة الرياح واتجاهها، وتحليل وردة الرياح (Wind Rose) ، التي تظهر فيها الاتجاهات الأساسية (الشمال ، الجنوب ، الشرق ، الغرب) والاتجاهات الفرعية أيضا.

واختتمت الدكتورة إيمان شاكر بالتأكيد على أن الرياح يمكن اعتبارها لغة الغلاف الجوي، لأنها تكشف حركة الكتل الهوائية وانتقال الحرارة والرطوبة والطاقة وتطور الأنظمة الجوية.. مشددة على أن فهم الطقس لا يعتمد عليها وحدها، وإنما على دمج بياناتها مع الضغط ودرجات الحرارة والرطوبة والأقمار الصناعية والرادارات والنماذج العددية.

وأكدت على أهمية دراسة الرياح على المدى الطويل في دعم المشروعات القومية والاستراتيجيات المستقبلية والتخطيط العمراني ، بما يسهم في اتخاذ قرارات أكثر دقة واستدامة.