قالت دار الإفتاء المصرية، إنه من أجلِّ القيم التي اشتملت عليها الشريعة الإسلامية الأمانة، فبها تصان حقوق الله وحقوق العباد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعرف قبل البعثة بالصادق الأمين، وقد مدح الله عباده المؤمنين وأثنى عليهم بحفظهم الأمانات.
وأضافت دار الإفتاء في إجابتها على سؤال: هل يجوز للطبيب أن يفشي سر المريض إذا خشي الضرر على الآخرين؟ أن إفشاء الأسرار من خيانة الأمانة التي هي من خصال المنافقين؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». متفق عليه.
حفظ أسرار المرضى
وذكرت دار الإفتاء أن النصوص ظاهرة في تأكيد حفظ الأمانة، ومنها حفظ سر الغير، إلا أنها تتأكد وتجب عند من يتعرض لأسرار الناس بحكم عمله ووظيفته، كعمل الطبيب وهي الحالة المسؤول عنها، حيث تقتضي مهنته الاطلاع على أحوال المريض عند الفحص والتشخيص.
وأشارت إلى أنه يجب على الطبيب أن يحافظ على أسرار مرضاه، ويحرم عليه إفشاؤها؛ حيث إن في إفشائها وقوعًا في الغيبة المحرمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾ [سورة الحجرات: 12].
ووجه الدلالة: أن إفشاء سر المريض -والذي لا يحب لأحد أن يطلع عليه- وجه من وجوه الغيبة؛ لأنه فيه ذكر للمريض بما يكره وهو عين الغيبة المحرمة.
وأشارت إلى أن الأمر بأداء الأمانات يدخل فيه كل ما يؤتمن عليه الشخص، والطبيب مؤتمن على ما يطلع عليه من أسرار مرضاه، وحفظه لها من قبيل أداء الأمانات، فيحرم عليه إفشاؤها وإذاعتها ما لم يكن هناك ضرورة في ذلك، وإذا فعل ذلك عد خائنا للأمانة مضيعاً لها.
وتابعت: ولأن في إفشائها هتكاً لستر الغير، والنصوص آمرة بوجوب ستر المسلم لأخيه المسلم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يستر الله على عبد في الدنيا، إلا ستره الله يوم القيامة» رواه الإمام مسلم.
وعلى ذلك فلا يجوز للطبيب ومن في حكمه إفشاءُ أسرار المريض وإلا عد خائناً للأمانة آثما وهذا هو الأصل، إلا أنه قد يطرأ بعض الاستثناءات لبعض الحالات يسوغ فيها للطبيب البوح بأسرار المريض دون أن يكون مخلا بالتزام الحفاظ على سر المريض، وكان يترتب على ذلك تحقيق مصلحة أو درء مفسدة، ومنها الخوف على الآخرين وهو محل السؤال، كأن يكون المريض مصابًا بمرض وبائي يخشى معه الانتقال إلى الغير وتفشي المرض في المجتمع، أو يكون المريض قد قام بعمل إجرامي وأصيب أثناء القيام بهذا العمل ولجأ إلى الطبيب ليعالجه وغير ذلك من الحالات التي يتيقن فيها وقوع الضرر على الغير، ففي مثل هذه الحالات يجب على الطبيب أن يخبر الجهات المختصة بذلك لاتخاذ التدابير اللازمة للحد من وقوع الضرر على الغير، ولا يعد ذلك إخلالًا بالالتزام بحفظ أسرار المرضى ولا خيانة للأمانة؛ وذلك عملا بقاعدة: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
وحيث إن تبليغ الطبيب بمثل هذه الأمور فيه حفظ لأمن واستقرار المجتمع، والذي يعد الإخلال بهما ضررًا عامًّا تجب إزالته، وإفشاء سر المريض في مثل هذه الحالات ضرر خاص وهو أدنى من العام، فلا يلزم مراعاته بتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
والإبلاغ بحالة المريض في هذه الحالة للجهات المختصة فيه مصلحة شرعية معتبرة؛ لأنه يتعلق بالمصلحة العامة، وفيه درء للمفاسد، وقد جوَّز الفقهاء ذكر مساوئ الغير إذا كان ذلك فيه إزالة ضرر كبير، وجلب مصلحة عظيمة، ولا يكون ذلك وقوعا في الغيبة المحرمة.
وبناء على ذلك وفي السؤال: فإن الأصل حرمة إفشاء الطبيب أسرار مرضاه التي اطلع عليها بحكم مهنته ما لم توجد ضرورة تستوجب ذلك، فإن وجدت بأن تيقن وقوع ضرر جسيم يتعدى إلى الغير فيجب عليه إبلاغ السلطات المعنية برفع ذلك، ولا يكون بذلك مخلًّا بالتزامه الأمانة في حفظ أسرار مرضاه، مع مراعاة ألا يتعدى في الإفشاء إلى غيرهم، وإلا عُد خائنا للأمانة آثما.
