تواصلت فعاليات الدورة التدريبية «منهجية الفتوى بدار الإفتاء المصرية في معالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة»، المخصصة لمجموعة من طلاب تايلاند الدارسين بالأزهر الشريف، حيث شهد اليوم التدريبي الثالث ثلاث محاضرات علمية تناولت دور القواعد الفقهية في ضبط الفتوى الاجتماعية المعاصرة، وأهمية الوعي الإعلامي في تشكيل الوعي المجتمعي ومواجهة التضليل، وأثر المقاصد الشرعية في معالجة القضايا الاجتماعية المتجددة؛ تأكيدًا لأهمية الجمع بين التأصيل الشرعي الدقيق والفهم الواعي للواقع في إعداد المفتي وتأهيله.
وقد تناول الأستاذ الدكتور محمود عبد الرحمن، أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر، في محاضرته بعنوان «القواعد الفقهية الحاكمة للفتوى الاجتماعية المعاصرة»، العلاقة التكاملية بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، موضحًا أن القواعد الأصولية تضبط مناهج الاستدلال وطرق استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية، في حين تسهم القواعد الفقهية في جمع الفروع المتشابهة وتنظيم تطبيق الأحكام على الوقائع الجزئية. وأكد أن هذا التكامل يوفر للمفتي إطارًا علميًّا يساعده على معالجة النوازل الاجتماعية بعيدًا عن الارتجال والتعميم غير المنضبط.
كما أبرز الصلة بين القواعد الفقهية ومقاصد الشريعة، مستعرضًا عددًا من القواعد الكبرى، من بينها «اليقين لا يزول بالشك»، و«الضرر يزال»، و«المشقة تجلب التيسير»، و«العادة محكَّمة»، وما تؤديه من دور في ضبط الاجتهاد ومراعاة الظروف المؤثرة في الأحكام.
وفي سياق بيان التطبيقات العملية لهذه القواعد، استعرض الأستاذ الدكتور محمود عبد الرحمن نماذج من المسائل الأسرية والاجتماعية التي تؤكد أهمية التحقق من الوقائع قبل إصدار الأحكام، موضحًا أن قاعدة «اليقين لا يزول بالشك» تقتضي عدم رفع الحالة الثابتة بمجرد الشك، فيما تؤكد قاعدة «الضرر يزال» ضرورة حماية الحقوق ومنع الإضرار بالآخرين، مع مراعاة الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتجنب إزالة الضرر بما يؤدي إلى ضرر أشد منه.
وتناول كذلك أثر الأوصاف التي تطرأ على الأشخاص في الأحكام الشرعية، والفرق بين القواعد الكلية والضوابط الفقهية الخاصة بأبواب محددة، مشددًا على أن التطبيق الصحيح للقواعد يستلزم معرفة أدلتها وشروطها واستثناءاتها، وتحديد نطاقها بدقة؛ بما يضمن سلامة الاستدلال وحسن تنزيل الأحكام على الوقائع المختلفة.
وانتقالًا من ضبط الاجتهاد بالقواعد الفقهية إلى تعزيز قدرة المفتي على فهم الواقع والتعامل مع المعلومات المتداولة بشأنه، تناول الدكتور إبراهيم نجم، الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم، في محاضرته بعنوان «الإعلام وأثره في تشكيل الوعي المجتمعي»، أهمية الوعي الإعلامي بوصفه عنصرًا أساسيًّا في التأهيل الإفتائي، موضحًا أن وسائل الإعلام تسهم في تشكيل تصورات الجمهور وترتيب اهتماماته من خلال اختيار الأخبار والعناوين والصور، وطريقة عرض الوقائع وتكرارها، محذرًا من أن عرض حالة فردية بمعزل عن سياقها قد يؤدي إلى تعميمها وإصدار أحكام غير منصفة على الأفراد أو الجماعات.
وشدد على ضرورة تنمية مهارات التمييز بين الخبر والرأي، وبين الواقعة وتفسيرها، وبين الحالة الفردية والظاهرة العامة، مع التثبت من المصادر واستكمال المعلومات قبل إصدار الأحكام أو إعادة نشر المحتوى، مستشهدًا بقوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6].
وفيما يتعلق بانعكاس الوعي الإعلامي على الممارسة الإفتائية، أكد الدكتور إبراهيم نجم أن سلامة الفتوى تبدأ من دقة تصوير الواقعة، وأن الأسئلة المبنية على عناوين مثيرة أو مقاطع مبتورة أو روايات غير مكتملة تستلزم استيضاح التفاصيل قبل الإجابة، مع الاستعانة بأهل الاختصاص في المسائل التي تتطلب معرفة فنية. كما أشار إلى أن انتقال الفتوى عبر وسائل الإعلام إلى جمهور واسع يفرض عناية خاصة بصياغتها وتوضيح شروطها وحدود تطبيقها؛ حتى لا يُفهم الجواب المرتبط بظروف معينة على أنه حكم عام.
وأكد أن الاعتراف بحدود المعرفة وطلب مزيد من المعلومات يعكسان الأمانة العلمية والمسؤولية تجاه المستفتي والمجتمع. ودعا الطلاب التايلانديين إلى ربط معارفهم الشرعية بواقع مجتمعاتهم ولغاتها وأعرافها، وتقديم خطاب ديني واضح يراعي السياقات المحلية ويعزز الاحترام المتبادل وحسن العيش المشترك، إلى جانب تطوير حضور إعلامي مؤسسي يقوم على مراجعة المحتوى وتصحيح الأخطاء والتواصل المسؤول مع الجمهور.
وفي امتداد لهذه المحاور، تناول الأستاذ الدكتور محمد العزازي، أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر، في محاضرته بعنوان «أثر المقاصد الشرعية في الفتاوى الاجتماعية»، دور المقاصد في توجيه النظر الفقهي ومعالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة، موضحًا أن الفتوى ليست مجرد نقل للأحكام أو استظهار للأقوال الفقهية، وإنما هي عملية علمية متكاملة تقوم على تصوير الواقعة تصويرًا دقيقًا، وتكييفها تكييفًا فقهيًّا صحيحًا، وتحديد الحكم الشرعي المناسب، ثم تنزيله على الواقع في ضوء الظروف والملابسات المؤثرة. وأكد أن المقاصد الشرعية ترتبط بتحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم في إطار الضوابط المعتبرة، وأن استيعابها يكتسب أهمية خاصة عند معالجة النوازل التي تتداخل فيها اعتبارات شرعية وأسرية واجتماعية واقتصادية.
وفي هذا السياق، بيَّن الأستاذ الدكتور محمد العزازي أن المصلحة لا تُعتبر شرعًا لمجرد اشتمالها على منفعة ظاهرة، بل يتعين التحقق من حقيقتها ومآلاتها ومدى موافقتها لمقاصد الشريعة. واستعرض ما قرره الإمام أبو حامد الغزالي بشأن حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وما يتصل بالنظر في المصالح والمفاسد عند الإمام العز بن عبد السلام. كما عرض نماذج فقهية تتصل بالحضانة والضوال وزكاة الفطر؛ لإبراز أهمية فهم النصوص في ضوء أدلتها وعللها ومقاصدها، ومراعاة تغير الأعراف والأحوال والظروف المؤثرة في تنزيل الأحكام. وأوضح أن تغير الفتوى قد يرتبط باختلاف حقيقة الواقعة أو أوصافها المؤثرة أو الظروف المحيطة بها، دون أن يعني ذلك تغيير الأحكام الشرعية الثابتة بغير مستند معتبر. وشدد على أن المنهج الإفتائي الرشيد يقتضي الجمع بين صحة التأصيل، ودقة تصوير الواقع، ومراعاة المآلات، مع الالتزام بقواعد الاجتهاد وأصول النظر في الخلاف الفقهي المعتبر.
وتؤكد هذه المحاور المتناولة أن معالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة تستلزم إعداد المفتي إعدادًا متكاملًا يجمع بين رسوخ المعرفة الشرعية، والقدرة على توظيف القواعد الفقهية والمقاصد الشرعية، والوعي بطبيعة الخطاب الإعلامي وآثاره في المجتمع. ويسهم هذا التكامل في تعزيز سلامة الاجتهاد ودقة تنزيل الأحكام وحماية الحقوق، ويدعم جهود دار الإفتاء المصرية في تأهيل الطلاب الوافدين وإكسابهم الأدوات العلمية والمنهجية اللازمة للتعامل مع أسئلة مجتمعاتهم بوعي ومسؤولية.



