أكد المستشار محمد السيد فراج، مستشار التنمية والتخطيط بالأمم المتحدة، أن التحركات المصرية الداعمة للمملكة العربية السعودية تمثل تطورًا استراتيجيًا مهمًا في مسار العلاقات المصرية السعودية، وتعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة، في ظل تصاعد التوترات والتهديدات التي تستهدف أمن الدول العربية واستقرارها.
وأوضح فراج، أن أهمية الموقف المصري لا تقتصر على البعد العسكري، بل تمتد إلى أبعاد سياسية واقتصادية وتنموية، ترتبط بحماية المصالح المشتركة للدول العربية، وضمان استقرار الممرات البحرية، والحفاظ على حركة التجارة والاستثمار والطاقة في منطقة تمثل أحد أهم مراكز الثقل الاقتصادي والاستراتيجي عالميًا.
وأشار إلى أن إعلان مجلس الدفاع الوطني المصري، برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يوم 18 أكتوبر 2026، تقديم جميع أشكال الدعم الضرورية والممكنة للمملكة العربية السعودية، يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق بين القاهرة والرياض، في ظل التأكيد الرسمي على الترابط بين الأمن الوطني السعودي والأمن القومي المصري والعربي.
تعزيز الردع وحماية الأمن القومي العربي
وأضاف فراج أن أحد أبرز المكاسب الاستراتيجية المحتملة لهذا التحرك يتمثل في تعزيز قدرة الدول العربية على مواجهة التهديدات العابرة للحدود، ورفع تكلفة الاعتداءات التي تستهدف المنشآت الحيوية والبنية التحتية والمطارات والممرات البحرية.
وأوضح أن التنسيق بين مصر والسعودية، بما تمتلكه الدولتان من قدرات عسكرية وسياسية مؤثرة، يمكن أن يدعم منظومة الردع الإقليمي، ويعزز تبادل المعلومات والخبرات، ويرفع مستوى الاستعداد للتعامل مع التهديدات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، وفق طبيعة أي ترتيبات دفاعية يتم الاتفاق عليها رسميًا.
وشدد على أن مفهوم الأمن القومي العربي لم يعد مقتصرًا على حماية الحدود الجغرافية، بل أصبح يشمل حماية الاقتصاد الوطني، وتأمين إمدادات الطاقة، وضمان استمرار حركة التجارة، ومنع تحول الأزمات المحلية إلى صراعات إقليمية واسعة.
وأكد أن نجاح أي تحرك دفاعي يتوقف على وضوح أهدافه، والتنسيق السياسي والعسكري بين الأطراف المعنية، والقدرة على احتواء التصعيد بالتوازي مع حماية المصالح الوطنية.
البحر الأحمر وقناة السويس.. مصالح استراتيجية مشتركة
ولفت مستشار التنمية والتخطيط بالأمم المتحدة إلى أن أمن المملكة العربية السعودية يرتبط بصورة مباشرة بالمصالح الاستراتيجية المصرية، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للبلدين وأهمية البحر الأحمر ومضيق باب المندب في حركة التجارة والطاقة العالمية.
وأشار إلى أن أي اضطراب ممتد في هذه المنطقة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة الضغوط على الأسواق، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على حركة الملاحة عبر قناة السويس.
وأوضح أن حماية أمن الملاحة لا تمثل مصلحة عسكرية فقط، وإنما تعد ضرورة اقتصادية وتنموية، لأن استقرار الممرات البحرية يسهم في تعزيز الثقة الاستثمارية، ودعم حركة التجارة الدولية، وتقليل المخاطر التي تواجه الاقتصادات المرتبطة بهذه المسارات.
وأضاف أن تعزيز التعاون المصري السعودي في المجالات الدفاعية والبحرية وتبادل المعلومات يمكن أن يدعم حماية المصالح المشتركة، مع ضرورة أن يجري ذلك في إطار قانوني واضح وأهداف محددة تمنع اتساع دائرة المواجهة.
مكاسب اقتصادية وتنموية تتجاوز المواجهة العسكرية
وأكد فراج أن أي تقييم استراتيجي للتحرك المصري يجب ألا يقتصر على النتائج العسكرية المباشرة، بل ينبغي أن يشمل انعكاساته على التنمية والاستثمار والاستقرار الاقتصادي في مصر والمنطقة العربية.
وأوضح أن العلاقات المصرية السعودية تتضمن مصالح متشابكة، تشمل التجارة والاستثمارات وتحويلات العاملين والتعاون في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات، وهو ما يجعل استقرار المملكة عنصرًا مهمًا في البيئة الاقتصادية الإقليمية التي تتحرك مصر داخلها.
وأشار إلى أن تعزيز الثقة بين البلدين يمكن أن يهيئ فرصًا أوسع للتعاون الاقتصادي والصناعي، بما في ذلك تطوير الصناعات الدفاعية ونقل الخبرات والتدريب، شريطة أن تستند هذه الشراكات إلى خطط طويلة الأجل تحقق عائدًا اقتصاديًا وتنمويًا مستدامًا.
رسالة سياسية إلى القوى الإقليمية والدولية
وأوضح فراج أن التحرك المصري يحمل رسالة سياسية مفادها أن استقرار المنطقة مسؤولية مشتركة، وأن الاعتداءات التي تهدد أمن الدول العربية الكبرى يمكن أن تترتب عليها تداعيات تتجاوز حدود الدولة المستهدفة.
وأضاف أن التنسيق المصري السعودي قد يعزز قدرة البلدين على التأثير في المسارات الدبلوماسية، ويدعم الجهود الرامية إلى احتواء الصراعات، مع التأكيد على أن قوة التحالفات لا تقاس فقط بحجم القدرات العسكرية، وإنما أيضًا بقدرتها على منع الحرب وفتح مسارات للحلول السياسية.
وشدد على أهمية استمرار الاتصالات مع الأطراف الإقليمية والدولية، بما يضمن حماية المصالح العربية، ويحد من فرص سوء التقدير، ويمنع تحول التحركات الدفاعية إلى مواجهة واسعة يصعب احتواء تداعياتها.





