لم يعد التفوق الأوروبي لباريس سان جيرمان مرتبطا بامتلاك مجموعة من النجوم القادرين على حسم المباريات بلمحات فردية بل أصبح الفريق الفرنسي يقدم نموذجا تكتيكيا متكاملا يعتمد على الضغط والسرعة والمرونة في التحول بين الدفاع والهجوم ليضع كبار القارة أمام معادلة صعبة في دوري أبطال أوروبا.
وجاء الفوز على برشلونة بنتيجة 4-2 في ملعب حديقة الأمراء ليمنح هذا التحول دليلا جديدا بعدما نجح فريق المدرب الإسباني لويس إنريكي في إيقاف سلسلة انتصارات الفريق الكتالوني وإلحاق الهزيمة الأولى به هذا الموسم مستفيدا من قدرته على استغلال المساحات خلف الدفاع وفرض إيقاعه في اللحظات الحاسمة.
ولم تكن النتيجة مجرد تفوق هجومي لباريس بل كشفت عن فارق في طريقة إدارة المساحات والتعامل مع ضغط المنافس خاصة أن برشلونة بقيادة الألماني هانز فليك يعتمد على خط دفاع متقدم ومحاولة استعادة الكرة بسرعة وهي فلسفة تمنح الفريق أفضلية في كثير من المباريات لكنها تترك مساحات يمكن استغلالها عندما يفشل الضغط الأول.
وتكشف قراءة أداء باريس أن خطورته لا تأتي من سلاح واحد وإنما من منظومة تتكامل فيها تحركات المهاجمين مع أدوار لاعبي الوسط والتغطية الدفاعية وهو ما يفسر قدرته على إرباك منافسين يملكون أسماء كبيرة وإمكانات فنية مميزة.
السلاح الأول.. استدراج المنافس ثم ضرب دفاعه في ثوان
أبرز ما يميز باريس سان جيرمان تحت قيادة لويس إنريكي هو قدرته على التعامل مع الفرق التي تفضل الاستحواذ والضغط المتقدم إذ لا يتعامل مع امتلاك المنافس للكرة باعتباره تهديدا دائما بل يبحث عن اللحظة المناسبة لافتكاكها والانطلاق بسرعة نحو المرمى.
وتكمن الفكرة في استغلال المساحات التي تظهر خلف خط الدفاع عندما يتقدم لاعبو المنافس إلى الأمام وهي المساحات التي يصعب تأمينها إذا لم يتحرك لاعبو الوسط والأظهرة بتوقيت مناسب أو إذا تأخر الضغط على حامل الكرة.
وأمام برشلونة ظهرت أهمية هذا السلاح في قدرة لاعبي باريس على الانتقال السريع من الحالة الدفاعية إلى الهجومية مع تنوع التحركات بين العمق والأطراف بما أجبر مدافعي الفريق الكتالوني على التراجع والركض باتجاه مرماهم بدلا من التقدم لفرض الرقابة.
السلاح الثاني.. فيتينيا وفابيان رويز يضربان من خارج المنطقة
لا يعتمد باريس سان جيرمان على سرعات مهاجميه فقط فامتلاكه لاعبي وسط قادرين على صناعة اللعب والتقدم والتسديد يمنحه وسيلة أخرى لمعاقبة المنافسين الذين يركزون جهودهم على إغلاق المساحات داخل منطقة الجزاء.
وأمام برشلونة ظهرت أهمية هذا الجانب من خلال دور فيتينيا وفابيان رويز في استغلال المساحات المحيطة بمنطقة الجزاء سواء عبر التسديد المباشر أو التحرك إلى المواقع التي تسمح بتهديد المرمى في وقت ينشغل فيه المدافعون بمراقبة المهاجمين.
وتفرض هذه النوعية من التحركات على المنافس اتخاذ قرار صعب؛ فإذا تراجع لاعبوه لحماية منطقة الجزاء منحوا لاعبي الوسط مساحة أكبر للتحرك والتسديد وإذا تقدموا للضغط على حامل الكرة ظهرت مساحات خلفهم يمكن استغلالها بتمريرات سريعة نحو المهاجمين.
السلاح الثالث.. تحييد لامين يامال دون التضحية بالتوازن الدفاعي
ويمثل لامين يامال أحد أبرز مصادر الخطورة في برشلونة بفضل قدرته على المراوغة وصناعة الفرص والدخول من الجناح إلى المناطق المؤثرة أمام المرمى ولذلك فإن الحد من تأثيره يحتاج إلى خطة دفاعية تتجاوز المواجهة الفردية المباشرة.
وأمام باريس كان التعامل مع تحركات الجناح الإسباني جزءا من المعركة التكتيكية إذ احتاج الفريق الفرنسي إلى تضييق المساحات المتاحة أمامه ومنعه من استلام الكرة في أوضاع تسمح له بالانطلاق نحو منطقة الجزاء.
وتعتمد مواجهة لاعب يمتلك مهارات يامال على تقليل المساحة أمامه وإجباره على استلام الكرة بعيدا عن المرمى مع توفير تغطية دفاعية خلف اللاعب المكلف بمراقبته حتى لا تتحول محاولة افتكاك الكرة إلى فرصة لاختراق العمق.
وهنا تظهر أهمية التعاون بين الظهير وقلب الدفاع ولاعب الوسط القريب لأن ترك المدافع في مواجهة فردية مفتوحة مع جناح سريع ومهاري قد يمنح الأخير الأفضلية بينما تساعد التغطية الجماعية على تقليص خياراته.
السلاح الرابع.. باريس يتخلص من عصر النجم الأوحد
لعل أبرز التحولات التي شهدها باريس سان جيرمان في السنوات الأخيرة تتعلق بطبيعة المشروع الفني بعدما ابتعد الفريق تدريجيا عن الاعتماد على مجموعة من النجوم الذين تتركز حولهم معظم المسؤوليات الهجومية واتجه إلى بناء منظومة تشارك فيها جميع الخطوط.
وخلال حقبة ليونيل ميسي ونيمار وكيليان مبابي امتلك باريس أسماء قادرة على حسم المباريات بمهاراتها الفردية لكن وجود هذه الأسماء لم يكن كافيا لتحقيق الهدف الأكبر المتمثل في التتويج بدوري أبطال أوروبا رغم الإمكانات الهائلة التي امتلكها النادي.
أما المشروع الحالي تحت قيادة إنريكي فيمنح العمل الجماعي أولوية واضحة من خلال الضغط المنظم والتحرك دون كرة وتبادل الأدوار والمشاركة في الواجبات الدفاعية مع توزيع المسؤولية الهجومية على أكثر من لاعب.
وتظهر قيمة هذا التوجه عندما يغيب أحد العناصر أو يتراجع مستواه إذ لا ينهار الفريق بالضرورة لأن بقية اللاعبين يعرفون الأدوار المطلوبة منهم وتوجد بدائل تكتيكية تسمح بالحفاظ على شكل المنظومة.
كما أن تنوع مصادر التسجيل يجعل مهمة المنافس أكثر تعقيدا فلا توجد نقطة واحدة يمكن إغلاقها لضمان إيقاف الفريق الفرنسي ولا يمكن التعامل مع خطورته باعتبارها مرتبطة بمهارة مهاجم بعينه.




