قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

الإمام النووي.. صبي كان يكرهه الأطفال وصار أعلم أهل زمانه

0|محمد شحتة

أحد أشهر فقهاء السنة ومحدّثيهم وعليه اعتمد الشافعية في ضبط مذهبهم بالإضافة إلى الرافعي، هو الإمام الحافظ محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مـرِّي بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام النووي الشافعي الدمشقي المشهور بـ "النووي" (المحرم 631 - 676 هـ \ 1255 - 1300م).

قال الشيخ ياسين المراكشي: رأيت الشيخ وهو ابن عشر سنين بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم , يهرب منهم ويبكي لإكراههم ويقرأ القرآن في تلك الحال , فوقع في قلبي محبته وكان قد جعله أبوه في دكان فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن , فأتيت معلمه فوصيته به وقلت له : إنه يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم , وينتفع الناس به فقال لي : أمنجم أنت ؟! فقلت : لا وإنما أنطقني الله بذلك فذكر ذلك لوالده فحرص عليه على أن ختم القرآن وقد ناهز الحلم.

تلقى العلم على شيوخ كبار وسمع منهم خلال إقامته في دمشق كانوا أكثر من عشرين عالما من خيرة علماء عصرهم وممن برعوا في مختلف العلوم وأصناف المعارف كالفقه والحديث وعلم الأصول وعلم العربية وغير ذلك من الاختصاصات قارنين إلى ذلك سيرة حميدة وأخلاق نبيلة كان لها أوضح الأثر.

لم يكد الإمام النووي يستقر في المدرسة الرواحية حتى أقبل على طلب العلم بنهم وشغف وجدّ واستعداد، وهمة لا تعرف الكلل والملل فكان يقرأ كل يوم أحد عشر درسًا على العلماء شرحًا وتصحيحًا : درسين في الوسيط للغزالي وثالثًا في المهذب للشيرازي ودرسًا في الجمع بين الصحيحين للحميدي وخامسًا في صحيح مسلم ودرسًا في إصلاح المنطق لابن السكيت ودرسًا في اللمع لابن جني ودرسًا في أصول الفقه في اللمع للشيرازي والمنتخب للفخر الرازي ودرسًا في أسماء الرجال ودرسًا في أصول الدين وكان يعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة.

وما كان ينام من الليل إلا أقله وإذا غلبه النوم استند إلى الكتب لحظه ثم انتبه , قال الذهبي : ويضرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلًا ونهارًا وهجره النوم إلا عن غلبه وضبط أوقاته بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة أو التردد على الشيوخ , حتى أنه إذا مشى بالطريق كان يشتغل في تكرار ما يحفظ أو يطالع ما يحتاج إلى مطالعة , واستمر على ذلك ست سنين .

وكان رحمه الله قوي المدرك حاضر البديهة تنثال عليه المعاني انثيالًا في وقت الحاجة إليها وكان عميق الفكرة بعيد الغوص لا يكتفي بدراسة ظواهر الأمور بل يذهب إلى أعماق أغوارها وكان بعيد المدى في الفهم لا يقف عند حد حتى يصل إلى الحق كاملًا فيما يراه وكان يتمتع بحافظة قوية مستوعبة جعلته يستولي على أبواب العلم استيلاء فإن الحافظة القوية تمكن العالم من السيطرة الفكرية على ما يقرأ بحيث يربط أقصاه بأدناه وأوله بآخره وأجزاءه بعضها ببعض وقد كان رحمه الله تتمثل فيه الآداب ذكرها في كتابه المجموع لمن ينصب نفسه للتعليم .

قال علاء الدين العطار: إنه كان لا يأكل من فاكهة دمشق فسألته عن ذلك فقال: إنها كثيرة الأوقاف والأملاك لمن تحت الحجر شرعًا ولا يجوز التصرف في ذلك إلا على وجه الغبطة والمصلحة والمعاملة فيها على وجه المساقاة وفيها اختلاف بين العلماء ومن جوزها قال بشرط المصلحة والغبطة ليتيم ولمحجور عليه والناس لا يفعلونها إلا على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك فكيف تطيب نفسي؟!. وهناك الكثير من ثناء العلماء عليه , وقد لخصه المحدث أبو العباس بن فرح في قوله كان الشيخ محيي الدين قد صار إليه ثلاث مراتب كل مرتبه منها لو كانت لشخص شدت أليه آباط الإبل من أقطار الأرض .

توفي في سنة ست وسبعين وستمائة (676 هـ) قفل راجعًا إلى نوى بعد أن أقام في دمشق نحوًا من ثمانية وعشرين عامًا وبعد أن رد الكتب المستعارة من الأوقاف وزار مقبرة شيوخه فقرأ ودعا وبكى وزار أصحابه الأحياء وودعهم فمرض بنوى وتوفي رحمه الله ليلة الأربعاء في الرابع والعشرين من رجب ودُفن بها .