من شح السيولة إلى الهبوط الحاد في قيمة العملة والارتفاع القياسي لمعدلات التضخم، يمر الاقتصاد الإيراني بواحدة من أكثر مراحله صعوبة، في ظل تصاعد تداعيات الحرب، وتراجع الإيرادات، واضطراب حركة التجارة، ما يفاقم الضغوط على الأسواق ويزيد من تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
وواصل الريال الإيراني هبوطه الحاد ، ليقترب سعر الدولار في السوق من مليوني ريال، بينما تتسارع معدلات التضخم وتتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
ومع استمرار الحرب، تتزايد المخاوف من أن تتحول الضغوط المالية والنقدية إلى أزمة اقتصادية أعمق تهدد قدرة طهران على تمويل احتياجاتها والحفاظ على استقرار الأسواق.
وتقول صحيفة (نيويورك بوست ) - في تقرير لها - إن إيران تواجه ثلاثة ضغوط متزامنة؛ تتمثل في تراجع قبضتها على مضيق هرمز مع عودة حركة الملاحة، وتفاقم أزمتها الاقتصادية وشح السيولة، إلى جانب تصاعد الدعوات السياسية لإنهاء الحرب، ما يضع النظام أمام ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة.
وأفادت الصحيفة الأمريكية بأن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال الأسبوع الماضي، مع مرور نحو 200 سفينة عبر الممر الملاحي الاستراتيجي، بزيادة قدرها نحو 400% مقارنة بمستوياتها قبل أسبوعين، وفق بيانات مركز عمليات التجارة البحرية التابع للمملكة المتحدة.
وأشارت الصحيفة إلى أن جزءا من حركة الملاحة عبر المضيق أصبح يتم بمساعدة مرافقة من البحرية الأمريكية، الأمر الذي يعكس تراجع قدرة إيران على فرض قيودها على حركة السفن في أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والطاقة في العالم.
وتابعت، يمثل تطور حركة الملاحة تحديا اقتصاديا لإيران، إذ إن مضيق هرمز كان يمثل إحدى أهم أدوات الضغط التي تمتلكها طهران في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية، بينما يؤدي استمرار مرور السفن إلى تقليص قدرتها على استخدام الممر الحيوي للتأثير في تدفقات التجارة والطاقة.
وفي المقابل، تواجه صادرات النفط الإيرانية تراجعا حادا، مع اقترابها من التوقف الكامل في ظل تشديد العقوبات الأمريكية والإجراءات الرامية إلى الحد من قدرة طهران على تصدير النفط والوصول إلى عائداته.
وتعد عائدات النفط مصدرا رئيسيا للعملة الأجنبية بالنسبة للاقتصاد الإيراني، وبالتالي فإن تراجع الصادرات يحد من قدرة الحكومة على تمويل الواردات وتوفير احتياجات الاقتصاد من السلع والمواد الأولية، فضلا عن زيادة الضغوط على المالية العامة وسوق الصرف.
وفي مؤشر واضح على تفاقم الضغوط الاقتصادية، سجل الريال الإيراني مستوى قياسيا منخفضا أمام الدولار في السوق الحرة، إذ تجاوز سعر الدولار مليوني ريال إيراني أمس الأحد 23 أغسطس في سوق طهران الحرة، وفق بيانات تتبع سوق الصرف.
ويعكس الهبوط الحاد في قيمة الريال تزايد الضغوط على سوق النقد الأجنبي، في ظل تراجع إيرادات النفط وصعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية، الأمر الذي يرفع تكلفة الواردات ويزيد من الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد الإيراني.
كما يؤدي انخفاض قيمة العملة إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، بما قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات محليا ويؤثر سلبا في القوة الشرائية للأسر.
وتأتي أزمة العملة في وقت يتوقع فيه صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4% خلال عام 2026، بالتزامن مع معدل تضخم يقترب من 70%، ما يعكس اتساع نطاق الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الإيراني.
وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن الاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطا متزامنة على مصادر الإيرادات والتجارة الخارجية وسوق الصرف، في وقت تؤدي فيه العقوبات وتراجع صادرات النفط إلى تقليص تدفقات النقد الأجنبي.
ويرى محللون أن استمرار هذه الضغوط قد يزيد من صعوبة الحفاظ على استقرار الأسعار وسعر الصرف، ويحد من قدرة الحكومة على دعم النشاط الاقتصادي، خاصة إذا استمر تراجع الإيرادات النفطية وتشديد القيود على التجارة والمعاملات المالية.
وتواجه طهران، في ضوء ذلك، تحديا اقتصاديا مزدوجا يتمثل في الحفاظ على تدفقات العملات الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات، واحتواء التضخم وتراجع قيمة الريال، بينما يواصل الاقتصاد العمل تحت وطأة العقوبات والاضطرابات المرتبطة بالحرب.
ودخلت إيران الحرب وهي تواجه بالفعل تضخما مرتفعا، وعملة ضعيفة، ونقصا في الطاقة، وعقوبات اقتصادية، واختلالات هيكلية عميقة، لتجد نفسها الآن أمام أعباء إضافية تتمثل في تضرر البنية التحتية، وتعطل التجارة، وتراجع الإنتاج، وارتفاع كلفة إعادة الإعمار.
وتكشف تداعيات الحرب عن أزمة أوسع نطاقا، إذ أدت الضربات الأمريكية إلى تضرر مصانع ومحطات طاقة وشبكات نقل وغيرها من المنشآت الحيوية، ما زاد الضغوط على اقتصاد مثقل بالأزمات، وعمّق الاضطرابات في الإنتاج والخدمات وسلاسل الإمداد.
وفق مركز الإحصاء الإيراني، بلغ معدل التضخم السنوي 66% في يوليو، فيما ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 87.9% على أساس سنوي، بينما سجل تضخم أسعار المواد الغذائية 128%، في مؤشر على تصاعد الضغوط المعيشية وتآكل القدرة الشرائية للأسر الإيرانية.
في مقابل ذلك، يترقب الإيرانيون بقلق تداعيات التصعيد الاقتصادي الأمريكي، بعدما أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن واشنطن تستعد لشن ما وصفه بأكبر هجوم مالي على إيران، في محاولة لخنق شرايينها الاقتصادية وعزلها عن النظام المالي العالمي.
وتستهدف العقوبات الجديدة ، بحسب وزير الخزانة ، الدول والجهات التي تواصل دعم طهران ماليا أو تجاريا، وسط تحذيرات أمريكية من أن من يواصل التعامل مع إيران سيواجه عواقب وعزلة دولية متزايدة.