الكاميريرا والست في "سراية عابدين"
إنها عقدة معروفة ومشهورة تركها الأتراك في مصر بعد زوال عهدهم الكئيب بكل تبعاته، وتلك العقدة يمكن أن نطلق عليها "عقدة الكاميريرا والهانم" أو بالبلدي الخدامة وستها، فكثير من الخادمات، يصررن على تقليد سيداتهن، فتخرجن في صورة مشوهة ملفوظة، قد تثير من الشفقة أكثر مما تثيره من الاشمئزاز!
هذه العقدة تجلت الآن في تجسيد الدراما عندنا لشخصية وعصر الخديوي إسماعيل، فقد بدا العمل من الوهلة الأولى أمام المشاهد المصري "الغلباوي اللي فاقسهم" محاولة ساذجة ومكشوفة لتقليد مسلسل "حريم السلطان" التركي الذي جاوز الآفاق في شهرته، فبدا المسلسل العربي كالكاميريرا التى تصر أنها الهانم أمام المرآة وتسخر من الغلابة وتتعامل معهم كأنها نسخة هوانمية أصلية، بينما هم ينظرون إلى رثاثة ملابسها التى ألقتها إليها الهانم وكذلك شقوق قدميها وهى تضع رجل على رجل وتتحدث بلهجة لا تثير إلا السخرية وهى تكشف افتعالها الممجوج!
- لكن على مين؟!
فالمشاهد "الأروبة" كشف الحكاية وراح يسخر من الخادمة العبيطة منذ أولى الحلقات وكشف حركاتها وهى تصر على تقليد الهانم وأدمنت الرقص على السلالم، فلم تعد كما كانت بنت بيئتها وعصرها ولا هى صارت مثل الهانم بعظمتها ورقيها!
وليست الأخطاء التاريخية التى وصلت إلى شبهة العمد، هى التى شوهت مسلسل "سرايا عابدين"، فتحت بند حرية الإبداع يمكن تبرير أي عجز أو جهل أو إهمال، لكن القصة لمن يعرف ألف باء تاريخ أو حتى اقتصرت معرفته على ما درسه من معلومات هزيلة عن عصر الخديوي أو حتى شم عبق القاهرة الخديوية في مباني وسط البلد العتيقة، ليست سوى قصة وهمية وإن تسمى أبطالها ببعض أسماء مشابهة لحكام وأمراء ورعايا وجواري وخدم عاشوا في عهد إسماعيل أعظم عهود أسرة محمد على بكل ما لهم وما عليهم، فالتشابه فقط ليس إلا أسماء قدمها ممثلون في سيناريو لم يتشبع بروح العصر وكذلك حوار ممجوج مبتذل يستخدم لغة ولهجة هى خليط من الافتعال والتفاهة وشرشحة عشوائيات، وهو ما قتل روح العمل الجاد في مثل هذا الموضوع شديد الأهمية.
والافتعال لم يكن فقط في السيناريو والحوار، بل أيضا في الإضاءة التى جعلت من أجواء ليالي عابدين أجواء قاتمة مقبضة ليس فيها أي أثر للأفراح والليالي الملاح التى ذخر وازدهر بها العصر الإسماعيلي.
وللحق فكل مسلسلات رمضان عاشت بنا في شبه إظلام وكأنها تشاركنا أزمة انقطاع الكهرباء وتخفيف الأحمال، لكنها حملت الصدور بما لا تطيق!
وبإمكاننا أن نتساءل في هذا الجو السهاري: أين الخديوي إسماعيل ذلك الرجل البناء العظيم، بل وأين إسماعيل الإمبراطور الذي كاد يعيد أمجاد إبراهيم باشا ومحمد على، لولا تكرار المؤامرة الدنيئة التى قلصت من أعمال أبيه وجده.
أين إسماعيل المنفتح عل المدنية والثفافة والفنون والآداب؟ّ! وأين الخديوي الذي جعل حدود مصر على شاطئ المحيط الهندي ليحمل أول شعلة حضارة إلى مجاهل أفريقيا ليحفرللقارة السمراء مكانا في ذاكرة الإنسانية، وهو ما أحنق عليه الأوروبيون الذي تآمروا مع الجن الأزرق والأحمر لخلعه وخلع بلاده من قلب أفريقيا.. بالضبط كما يحدث الآن بالمللي.
كل هذا ذهب أدراج الرياج الدرامية وبقى من إسماعيل الخديوي، الواد سماعين البلطجي الفلاتي التافه! فأي إسماعيل وأي خديوي هذا الذي قدمتموه لنا وما هذه الافتعالات السمجة في تطويل الأحداث والحوار عندما تسمعه؛ فكأنك تقف في قلب موقف ميكروباص رمسيس أو الجيزة، فبدلا من أن يقدموا لنا شخصية إسماعيل، قدموا الوله "إسماعيل شخصية".
ولأنها كانت محاولة غامضة لاستنساخ السلطان سليمان وحريمه، خرجت النسخة شوهاء أسميناها الخديوي إسماعيل، فلذلك باءت بالفشل مع حريمه، ربما لأن كان الفشل بسبب غيرة البت المفعوصة من ستها التركية وهى لا تدري!