دخلت الأزمة بين لبنان وإسرائيل مرحلة جديدة من التصعيد الحاد، بعدما تقدم لبنان بشكوى عاجلة إلى كل من مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، على خلفية غارات جوية إسرائيلية عنيفة استهدفت عدداً من المناطق اللبنانية، وعلى رأسها العاصمة بيروت.
وأوضحت وزارة الخارجية اللبنانية، في رسالة رسمية، أن هذه الخطوة جاءت استناداً إلى قرار مجلس الوزراء رقم 14 الصادر في 9 أبريل 2026، والذي كلف مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة بتقديم شكوى عاجلة بشأن الهجمات التي وقعت في 8 أبريل، مطالبة بتعميمها كوثيقة رسمية على كل من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبحسب الرسالة، فإن التصعيد الأخير يعد الأعنف منذ 2 مارس الماضي، حيث نفذت نحو 100 غارة خلال أقل من عشر دقائق، مستهدفة أحياء سكنية مكتظة خلال ساعات الذروة ومن دون إنذار مسبق. وأسفرت هذه الهجمات عن دمار واسع وسقوط مئات الضحايا، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
وأشارت الأرقام الواردة في الشكوى إلى سقوط 303 قتلى، بينهم 30 طفلاً و71 امرأة، إضافة إلى إصابة 1150 شخصاً، من بينهم 143 طفلاً و358 امرأة، ما يعزز المخاوف من تداعيات إنسانية خطيرة على المدنيين.
كما لفتت الرسالة إلى تعرض القطاعين الطبي والإسعافي لسلسلة من الاعتداءات منذ 2 مارس 2026، شملت 17 استهدافاً لمستشفيات و101 اعتداء على فرق الإسعاف، ما أدى إلى مقتل 73 مسعفاً وإصابة 176 آخرين، في انتهاكات وُصفت بأنها تقوض الجهود الإنسانية وتزيد من معاناة السكان.
أزمة النزوح المتفاقمة
وأكدت وزارة الخارجية اللبنانية أن هذه الهجمات تمثل “انتهاكاً صارخاً” لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، إضافة إلى قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحماية العاملين في المجال الإنساني.
وفي سياق متصل، أعربت عشر دول، بينها كندا والمملكة المتحدة واليابان، عن قلقها البالغ إزاء تدهور الوضع الإنساني وأزمة النزوح المتفاقمة في لبنان.
ودعت هذه الدول، في بيان مشترك، إلى وقف فوري للأعمال العدائية، مع التأكيد على ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني.
كما رحب البيان بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، في إشارة إلى محاولة ربط التهدئة في لبنان بسياق إقليمي أوسع.
محادثات مباشرة
بالتوازي مع ذلك، شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن محادثات مباشرة رفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، في إطار جهود تهدف إلى خفض التصعيد والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن الطرفين اتفقا على إطلاق مفاوضات مباشرة في زمان ومكان يتم التوافق عليهما لاحقاً.
فجوة واضحة
غير أن هذه المحادثات كشفت عن فجوة واضحة في المواقف بين الأطراف. ففي حين تحدثت واشنطن وتل أبيب عن ضرورة التوصل إلى سلام دائم وترسيم الحدود، شدد لبنان على أن الأولوية القصوى هي وقف إطلاق النار كشرط أساسي لأي تقدم سياسي.
وفي هذا السياق، أعرب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن أمله في التوصل إلى إطار يضمن سلاماً مستداماً، بينما أشار مسؤولون إسرائيليون إلى وجود مصلحة مشتركة في تفكيك حزب الله وإرساء استقرار طويل الأمد.
في المقابل، أكد المسؤولون اللبنانيون أن هدفهم الوحيد يتمثل في وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، حيث عبر الرئيس جوزاف عون عن أمله في التوصل إلى اتفاق يفضي إلى هدنة تمهد لمفاوضات أوسع، فيما دعا وزير الثقافة غسان سلامة إلى وقف القتال لمدة 15 يوماً كخطوة أولى.
الانقسام الداخلي
داخلياً، أثارت خطوة التفاوض مع إسرائيل جدلاً واسعاً في لبنان، حيث حذر النائب عن حزب الله حسن فضل الله من أن هذه الخطوة قد تزيد الانقسام الداخلي، داعياً الحكومة إلى إعادة النظر فيها. وأكد أن المطلوب هو وقف شامل لإطلاق النار، وليس العودة إلى نمط الاغتيالات والقصف المتقطع.
ويرى محللون أن جوهر الخلاف يكمن في اختلاف الرؤى؛ فلبنان يعتبر وقف إطلاق النار مدخلاً لأي عملية سياسية، بينما ترى إسرائيل أن نزع سلاح حزب الله شرط أساسي لتحقيق السلام. كما يشير مراقبون إلى أن أي حل مستدام في لبنان يظل مرتبطاً بتطورات الملف الإيراني، في ظل تشابك الأزمات الإقليمية.



