قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب: اقتصاد الصمود في ظل الصراعات

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

​يمر العالم اليوم بمرحلة من الترقب الحذر، وهو يتابع مآلات التوتر القائم بين واشنطن وطهران، والذي يقف حالياً عند حدود هدنة هشة تراوح مكانها بين السكون المؤقت والانتظار الطويل.

لم يكن ذلك المشهد الضبابي مجرد انعكاس لصراع سياسي، بل وضع مرونة الاقتصاد العالمي تحت مجهر الاختبار، بعدما تأثرت سلاسل الإمداد الدولية بتموجات النزاع وتبعاته العابرة للحدود.

 وفي خضم تلك التحديات، برزت الدولة المصرية كحائط صد منيع؛ إذ سخرت كافة أدواتها الدبلوماسية وقدراتها اللوجستية لطرق كل الأبواب وتأمين تدفق السلع الأساسية، مبرهنةً على قدرة استباقية فائقة في احتواء الأزمات وضمان الأمن الغذائي لمواطنيها.

 ورغم المساعي الحثيثة التي تضع المجتمع في دائرة الأمان، فإن إدراك قيمة التوفير لم يعد سلوكاً ثانوياً، بل غدا استراتيجية صمود وطنية؛ إذ بات لزاماً علينا إعادة تعريف "الحاجة" في زمن لم تعد فيه الأسواق العالمية تضمن استقرار التوريد بذات السلاسة المعهودة.

​وإذا استنطقنا التاريخ بحثاً عن نموذج ملهم للصلابة وقت الأزمات، نجد تجربة بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية تبرز كأيقونة للإرادة الشعبية. فعندما تأثرت خطوط الشحن بفعل النزاع، أطلقت الحكومة حملة "ازرع للنصر" التي حولت المواطن من مستهلك قلق يترقب حصته، إلى منتج صامد يستنبت الأرض في فناء منزله. تلك اللحظة الفارقة أثبتت أن الوعي الجمعي هو السد المنيع أمام الانهيار؛ فكل مورد يتم تدبيره ذاتياً كان بمثابة ذخيرة في معركة البقاء.

​إن جوهر الاقتصاد في أزمنة التحولات يرتكز على تعظيم القيمة من الموارد المتاحة، وهذا يتطلب ابتكار طرق غير تقليدية لإدارة الميزانية، تبدأ بالانعتاق من ثقافة الاستهلاك التفاخري والاتجاه نحو البدائل المحلية التي لا تخنقها تقلبات السياسة الدولية.

 إن الاعتماد على المنتج الوطني هنا يتجاوز كونه دعماً اقتصادياً ليصبح تأميناً للذات، مع ضرورة إحياء ثقافة "التدوير"؛ فلا ينتهي عمر السلعة بعطل عارض، بل يُعاد توظيفها لتقليل الضغط على الطلب العام، مما يمنح صانع القرار مساحة أوسع للمناورة دون خشية تصدع الجبهة الداخلية.

​أما من منظور علم النفس الاقتصادي، فإن العبور نحو بر الأمان يستوجب ترسيخ ما يُعرف بـ "المحاسبة الذهنية"؛ وهي النظرية التي صاغها العالم الأمريكي "ريتشارد ثالر"، الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية والمتخصص في السلوكيات المالية. يرى ثالر أن البشر يميلون لا شعورياً لتصنيف أموالهم داخل "حسابات وهمية" متباينة القيمة، وهنا تكمن فرصة بناء أجيال تمتلك مناعة مالية عبر تدريبهم على إعادة هيكلة هذه الصناديق العقلية. ينبغي وضع الإنفاق على الضروريات في مرتبة السخاء الواعي، بينما تُحاصر الرغبات الهامشية في نطاق الحذر المسؤول.

​إننا لا ننادي بالتقشف المظلم، بل بـ "الأناقة المادية" التي تضع المورد في موضعه الصحيح، محولةً السلوك الاستهلاكي من اندفاع غريزي إلى فعل عقلاني. وكما لخص الفيلسوف "سقراط" هذه الرؤية وهو يجوب أسواق أثينا المكتظة بقوله: "كم هي كثيرة الأشياء التي لا أحتاج إليها!"، وهي ذات الحكمة التي أرساها نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله: "ما عال من اقتصد". لتبقى القاعدة الأزلية: أن القصد في القول والعمل هو نجاة في الشدة، وأمان في الرخاء.